حصاد الشوك: عندما تصبح الجائزة معياراً لا إبداعاً
في ظل تزايد عدد الجوائز الأدبية في العالم العربي، وتصاعد الصخب الإعلامي المحيط بها، يطرح الكاتب السعودي سالم الهنداوي في كتابه الجديد “حصاد الشوك: نقد الجائزة في أدب الجوائز” سؤالاً جوهرياً: هل تُكافئ الجائزة الإبداع حقاً، أم أنها تُنتج نسخة مُسوَّقة منه؟ لا يتعامل الهنداوي مع الظاهرة بوصفها مناسبات احتفالية أو أدوات تشجيع بريئة، وإنما يضعها تحت مجهر نقدي صارم، باعتبارها منظومات سلطة رمزية، واقتصاداً ثقافياً، وكذلك آليات فرز تعيد تعريف القيمة الأدبية خارج النص أو على حسابه أحياناً.
يُرجع الهنداوي الأزمة إلى تحوّل الجوائز من أدوات تقدير إلى معايير شبه وحيدة للشرعية الأدبية، حيث بات المُنَال من الجوائز يُنظر إليه كدليل على الجودة، بغض النظر عن محتوى النص أو عمقه الفكري. ويُميّز بين نوعين من الجوائز: أولهما ما يُمنح تقديراً لمسيرة إبداعية ناضجة، مثل جائزة نوبل التي نالها نجيب محفوظ، والتي تُعد استحقاقاً تاريخياً. أما الثاني، فهو ما يُمنح في سياق منافسات سنوية مُفتوحة، غالباً ما تخضع لمنطق السوق والإعلام والمؤسسة الراعية، لا لمنطق القيمة الجمالية والفكرية.
في تفكيكه البنائي، يكشف الهنداوي عن هيكلية مُدبرة تبدأ من تشكيل لجان التحكيم، وانتهاءً بدور الإعلام في تضخيم صوت الفائز وتهميش غيره، حتى لو كان عمله أعمق أو أكثر جرأة. فلجان التحكيم، كما يُبيّن، ليست بالضرورة محصنة ضد التأثيرات الاجتماعية أو السياسية، بل غالباً ما تُشكّل انعكاساً للعلاقات القائمة في الحقل الأدبي، حيث تُعيد إنتاج تراتبية القوة بدلاً من تفكيكها.
ويُشير إلى أن ما يُقدَّم بوصفه “حصاداً ثقافياً” قد يخفي في داخله “أذى معرفياً”، أو انحرافاً في الذائقة، أو حتى تجارب تُنتج كأعمال “منتج غذائي”، مُصممة لتُستهلك بسرعة، لا لتُفكّر أو تُحفّز. ويشبه الهنداوي الأدب الذي يُكافأ فقط لأنه يُلائم توقعات المؤسسة أو الإعلام، بـ”أدب أملس سهل”، يُروّج له لأنه لا يُزعج، ولا يُشكّك، ولا يُغيّر.
وفي هذا السياق، يربط الهنداوي بين “اقتصاد الجوائز” و”النجومية”، حيث بات الكاتب يُقدَّم كعلامة تجارية، وتكافؤه لا يُقاس بجودة روايته، بل بعدد المتابعات، وحجم التغطيات، وقوة الراعي المالي. وينقل عن واقع أدبي حديث: “هبطت الجوائز الأدبية من سماء المال والاحتواء الأيديولوجي، لتُصبح بضاعة في سوق ثقافي مُهيمن عليه بالتسويق لا بالتأصيل”.
ويبقى التحدي الأكبر: عندما تتحول الجائزة من تكريم إلى هدف، تُغيّر مسار الإبداع. فكاتبٌ يكتب ليفوز، لا ليُعبّر؛ ومُحرّرٌ يُفضّل نصاً يُناسب معايير الجائزة، لا نصاً يُثير الجدل؛ وقارئٌ يُقيّم العمل بناءً على الفوز لا على القراءة. وهكذا، قد تتحول الجائزة من أداة تثقيف إلى أداة تدجين، تُعيد إنتاج سلوك أدبي خاضع، لا متمرد.
وربما، كما يوحي عنوان الكتاب، يكون الشوك الذي نخشاه اليوم هو ما سيحمينا غداً من أدب أملس سهل ومُكافأ أكثر مما ينبغي. فالكتابة التي تُوجّهها معايير خارجية، لا تترسّخ على جوهرها، تُفرغ الإبداع من مغزاه، وتُحوّل الثقافة إلى مسرح للإسقاطات لا للتأملك.
في ختام التحليل، يُعيد الهنداوي تذكيرنا بأن الأدب الحقيقي لا يُقاس بحجم الجوائز، بل بعمق التساؤلات التي تثيرها، وقوة المقاومة التي تواجهها، وصلابته أمام منطق السوق. والسؤال الذي يجب أن يُطرح على كل مؤسسة راعية، وكل لجنة تحكيم، وكل إعلام يُروّج للنجومية: هل نحن نُكرّم الإبداع؟ أم نُكرّم ما يُشبهه؟
نبض السعودية ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
