عاجل
٢٤ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 9 أغسطس 2026
الرياض +16°C

وزير الخارجية التركي: دول أخرى ترغب في الانضمام إلى اتفاقية مكة ولا نستهدف أي دولة

08/08/2026 22:25

كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يوم السبت، عن وجود دول أخرى في المنطقة ترغب في الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها كل من تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية يوم الجمعة الماضية. وأكد فيدان أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة، إلا إذا تعرضت الدول الموقعة لهجوم.

جاءت هذه التصريحات خلال استضافة وكالة الأناضول للوزير فيدان على طاولة محرريها، حيث أجرى حواراً مطولاً تناول تفاصيل الاتفاقية وأهدافها.

اتفاقية مكة والمادة الخامسة من الناتو

أوضح فيدان أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تشبه من الناحية الفنية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتعلقة بالدفاع الجماعي. وأضاف: “أنتم في الأصل تؤسسون ميثاقاً أمنياً من أجل ذلك. ولهذا السبب تقرر الدول الأخرى الانضمام إلى تحالف، للاستفادة من الدعم الحامي لبعضها البعض”.

وفي معرض حديثه عن توقيع الاتفاقية، وصف فيدان يوم الجمعة بأنه “يوم تاريخي”، مشيراً إلى أنه يمثل إحدى المحطات الرئيسية في السياسة الخارجية التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي تم العمل عليها لسنوات طويلة.

عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وضرورة الملكية الإقليمية

لفت فيدان إلى أن المنطقة تعاني منذ سنوات طويلة من حالة عدم استقرار مستمرة، تشمل الحروب والاحتلالات وعمليات التهجير والنزوح، خاصة في المناطق القريبة من شرق وجنوب شرق تركيا، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. وأكد أن حكومات حزب العدالة والتنمية في تركيا ظلت تتابع عن كثب وضع “غياب النظام في الشرق الأوسط”، وتدرس كيفية إيجاد ترتيبات دائمة لهذه المشكلات.

وأشار إلى أنهم عملوا خلال السنوات القليلة الماضية على بلورة رؤيتهم بشأن الوضع في الشرق الأوسط، وتم تقاسمها مع الأطراف المعنية، لتصل في النهاية إلى مرحلة التحول إلى خطوات ملموسة.

وفي سياق الحديث عن أهداف تركيا، قال فيدان: “من المهم زيادة شعورنا بالملكية الإقليمية. لأن القوى المهيمنة القادمة من الخارج لا تحل مشكلات المنطقة بل تفاقمها أكثر، وتكون التكلفة مرتفعة جداً. ويتعين على دول المنطقة أن تتجه إلى نقاط مؤسسية تضمن في الواقع أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها ورفاهها بنفسها”.

وأضاف أن تركيا تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع دول المنطقة تقريباً، لكنها كانت علاقات قابلة للتغير بناءً على الظروف الراهنة. وأكد أن السياسة الخارجية التركية بقيادة الرئيس أردوغان تسعى إلى جعل هذه العلاقات أكثر هيكلية ومهنية واستدامة ذاتية.

التكامل الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة

استطرد فيدان في تقييم الرؤية التركية قائلاً: “لا تستطيع الدول في منطقة ما بناء هياكل اقتصادية تراكمية من دون أن تكون مطمئنة إلى أمن بعضها البعض”. وأشار إلى أن التاريخ أثبت ذلك، مستشهداً بتجربة الاتحاد الأوروبي والجماعة الاقتصادية الأوروبية التي تطورت بفضل المظلة الأمنية الأمريكية.

وتابع: “هناك إرادة كبيرة للقضاء على حالة عدم الاستقرار في المنطقة، أو على الأقل وقفها، والنهوض برفاه شعوب المنطقة من خلال تحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي والاجتماعي”. وأعرب عن إدراكهم بأن تحقيق هذا الأمر ليس سهلاً وأنهم ما زالوا في بدايته، لكن جميع الاستعدادات والخطط الذهنية والمفاهيمية اللازمة موجودة.

عملية إعداد اتفاقية مكة استمرت عامين وثمانية أشهر

أوضح فيدان أن الدراسات المتعلقة بكيفية تنفيذ التكامل الاقتصادي والاجتماعي مؤسسياً استمرت لمدة عامين وثمانية أشهر بالضبط، حيث تحدث خلالها مع الشركاء الموقعين ومع دول أخرى في المنطقة بشكل متواصل. كما أن الرئيس أردوغان كان يطرح هذا الأمر خلال مباحثاته على مستوى القادة.

وعند سؤاله عن إعداد الاتفاقية على مدار عامين، قال فيدان: “بالطبع، انتقالها من مستوى الفكرة إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى مرحلة الاتفاقية”. وأشار إلى أن الاتفاقية تفرض التزاماً على الدول الموقعة، مستذكراً أن تركيا عضو في الناتو منذ عام 1952، وتشارك في اجتماعات الحلف منذ سنوات طويلة.

وذكر أن آخر قمة للناتو عُقدت في أنقرة، وأن الحلف اتخذ قرارات بالتدخل المشترك مرتين فقط في تاريخه: الأولى في أفغانستان والثانية في كوسوفو. وأكد أن قدرة الناتو الردعية الأساسية تكمن في تطوير قدرة ردع في وضع دفاعي، وليس في الهجوم.

وأضاف: “إذا هاجمتني، فلدي قوة عسكرية بهذا الحجم، وقد أعددت نفسي وأملك هذه القوة الكبيرة. فلا تختبر قوتي. وبالتالي لا أتعرض للهجوم. وأقوم بالتنمية وأمضي في مسار أكثر طبيعية من خلال حل ما لدي من مشكلات سياسية واقتصادية في المنطقة الجغرافية التي أتواجد فيها”. وشدد على أن ما يعرقل تحقيق النهوض والتطور هو العنف والحرب.

التضامن والردع وعدم التوسع

قال فيدان: “أنتم تزيدون قدرتكم على الردع. وثمة أمر ثانٍ، وهو أن الدخول في مثل هذه التحالفات لا يهدف فقط إلى توجيه رسالة إلى الخارج، بل إن الدول الموقعة على هذا التحالف تُظهر وتتعهد بأنها لن تشكل تهديداً لأمن بعضها البعض، بل على العكس، ستضمن أمن بعضها البعض. هذه هي نقطة البداية”. وأضاف: “عندما تدخل تحالفاً أمنياً، فالأمر لا يتعلق بجهة خارجية، بل يتعلق من الداخل بمسألة: نحن من الآن فصاعدًا في حالة تضامن مع بعضنا البعض، ولن يلحق أحدنا الضرر بالآخر”.

وفي رده على سؤال حول التزام فوري في حال وقوع هجوم، أوضح فيدان أن نص الاتفاقية يتضمن التزامات عامة، وأن كيفية تطبيقها على أرض الواقع تعتمد على النقاشات والقرارات التي ستتخذها اللجان المعنية. وأضاف أن الدولة المعنية هي التي تطلب المساعدة وتحدد طبيعتها، سواء كانت استخبارات أو دعم لوجستي أو ذخيرة أو وحدات عسكرية، حسب حجم التهديد.

وبيّن أن الرؤية المطروحة تتضمن إنشاء هيكل يتمثل في لجنة وزارية، على غرار الناتو، تضم وزراء الخارجية ووزراء الدفاع ورؤساء هيئة الأركان العامة. وستكون هناك أمانة عامة ومنظمة لتنفيذ الرؤية التي تطرحها اللجنة.

قادة الدول الثلاث بحثوا التعاون في الصناعات الدفاعية

أشار فيدان إلى أن التوقيع ليس نهاية العمل، بل ستتولى الأمانة العامة متابعة الموضوعات المتعلقة بالمعاهدة الدفاعية بين الدول الثلاث وتطبيق القرارات المتخذة. وأوضح أن الاجتماع الأول للجنة سيعرض على القادة مسائل مثل تأسيس الأمانة العامة وهيكلها وآلية عملها والمهام الأولى الموكلة إليها.

وتحدث عن مسائل متعددة تشمل الجوانب العسكرية والقدرة على العمل المشترك (interoperability)، والتي تعني قدرة الدول ذات الهياكل العسكرية المختلفة على العمل معاً، بالإضافة إلى التدريب المتبادل والدعم والمواضيع اللوجستية وتحليل التهديدات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأهم من ذلك التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية. وأكد أن الموضوع الأكثر مناقشة بين القادة يوم الجمعة هو التعاون في الصناعات الدفاعية واستفادة الدول من تقنيات بعضها البعض في هذا المجال.

وأوضح فيدان أن هذا العمل مؤسسي جاد ويتطلب الاستمرارية، وسيصبح له آلية تشغيل تلقائية ومستدامة. وشدد على أنه لا ينبغي ترك النجاح في السياسة الخارجية للصدفة، بل يجب مأسسته وجعله مستمراً.

ولفت إلى أن اتفاقية مكة لم تحدد تهديداً مشتركاً، وشدد على أن السعودية وباكستان وتركيا ليست دولاً توسعية، وأن أي دولة لا تهاجمهم لن تكون هدفاً لهم. وأكد أن رؤية الرئيس أردوغان تتمثل في توسيع الاتفاقية ليشمل جميع دول المنطقة إذا لزم الأمر، بهدف جلب الاستقرار الدائم إلى منطقة ارتبط اسمها بعدم الاستقرار طوال المئة عام الماضية منذ انسحاب الدولة العثمانية منها.