عاجل
٢٢ صفر ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 7 أغسطس 2026
الرياض +19°C

معركة القراءة: بين بهرجة الظهور وعمق التحول الداخلي

ثمة فجوة واسعة تفصل بين قارئ يسعى إلى إبهار من حوله، وقارئ آخر يهدف إلى تغيير ذاته من الجذور. الأول يطارد الجمهور، بينما يتعقب الثاني الحقيقة. الأول يتعامل مع الثقافة كمنصة للبروز، في حين ينظر إليها الثاني بوصفها رحلة طويلة لإعادة تشكيل العقل وصقل الشخصية.

ثقافة الاستعراض ووهم المعرفة

من يتخذ من الثقافة أداة للاستعراض، يجد نفسه واقفاً دوماً أمام مرآة تعكس صورته، لا أمام نافذة تطل على المعرفة. يحفظ أسماء الفلاسفة عن ظهر قلب، ويكثر من الاقتباسات الجاهزة، ويجيد التحدث عن الكتب أكثر مما يجيد الانتفاع بها. يدخل المجالس لإثبات علو كعبه في الاطلاع، ويخوض النقاشات راغباً في الخروج منتصراً لا في الخروج أكثر فهماً. تتحول المعرفة في نظره إلى حليٍ تُعلق على شخصيته، لا إلى مكوّن فاعل في تكوين جوهره.

القراءة طريق لإعادة بناء الذات

أما من يطلب العلم لتوسيع مداركه، فلا ينشغل بالصورة التي يرسمها الناس عنه، بقدر انشغاله بالصورة التي يستحقها أمام نفسه. يقرأ لأنه يدرك أن كل فكرة جديدة تهدم جداراً من الجهل، وأن كل كتاب صادق يضيف بعداً جديداً إلى فهمه وتأمله. لا يتردد في الاعتراف بجهله، لأن الإقرار بحدود المعرفة يُعد الخطوة الأولى نحو الحكمة.

المفارقة أن المثقف الحقيقي غالباً ما يكون أقل الناس ادعاءً للثقافة. فكلما اتسعت معرفته، ازداد يقيناً بأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها شخص واحد، وأن النضج لا يأتي بكثرة الكلام، بل بكثرة الفهم، وأن السمو لا يُقاس بعدد الكتب المقرؤة، بل بمقدار ما أحدثته تلك الكتب من تغيير في الأخلاق والأحكام والنظرة إلى الحياة.

الثقافة الحقة: تهذيب السلوك لا تراكم المعلومات

إن الثقافة التي لا تهذب السلوك، ولا تغرس التواضع في صاحبها، ولا تمنحه القدرة على الإنصات واحترام الاختلاف، ليست سوى معلومات مكدسة في الذاكرة. أما الثقافة التي تلد إنساناً أكثر رحمة، وأكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على مراجعة ذاته، فهي وحدها التي تستحق أن تحمل اسم الثقافة.