عاجل
٤ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الخميس، 17 سبتمبر 2026
الرياض +17°C

تحليل مشروع أحمد السماري الأدبي بين النص الثقافي والاجتماعي

17/09/2026 01:03

مفهوم المشروع الأدبي للسماري

يتساءل المقال عما إذا كان النقاش يجب أن يركز على مشروع السماري الأدبي والثقافي أم على الروائي أحمد السماري نفسه كمشروع ثقافي يستحق الاستثمار لملكاته وذاكرته الاجتماعية وقلمه السيال ونباهته الثقافية. يرى الكاتب أن الفصل بين الجانبين غير مجدٍ، إذ أن فهم “السماري المشروع” يمر عبر دراسة مشروعه الأدبي الذي بين أيدينا، إذ تحتاج دراسة الجدوى إلى التعمق في آليات عمله وطريقة بنائه لأعماله الأدبية دون ضرورة البدء من أول عمل له، فالمجال واسع يسمح بالدخول إلى عالم السماري من أي نص من نصوصه.

ويعتزم الكاتب أداء دور جزئي للناقد الثقافي عبر استخراج مقنن لأدوات (النقد الثقافي) التي غُيبت عن الساحة النقدية أو مورست بغير أدواتها المستمدة من علم الاجتماع ومن فوق جغرافيته التي تدرس العمل الأدبي من جوانبه المرئية وغير المرئية. ويستند هذا النهج إلى فلسفة واعية ورؤية معرفية تحلل الكل وتفصل المفصل، مع البقاء قريبًا من (النقد الأدبي) لكي لا يصبح النقد الثقافي عديم الهوية واللغة الاتصالية الداخلية، والتي يهيمن عليها النقد الأدبي بأدواته المتجذرة وعلاقته الوثيقة بالفعل الأدبي.

نظرية الفعل الاجتماعي وتطبيقها على السماري

تنظر نظرية (الفعل الاجتماعي) إلى المجتمع كأجمع أفعال تنبعث من أفراد تحت تأثير (العقل الجمعي) المتكون من ثقافة المجتمع وتاريخه، بحيث يكون لنسيج المجتمع شكل عام يراه outsiders، بينما يراه insiders بتفاصيل أدق وأصغر مسامات. هناك أفراد يرون التفاصيل بصريًا ويتفاعلون معها بشكل مختلف، وتنتج هذه التفاعلات العاطفية والثقافية والقيمية والعملية والجمالية لغة داخلية تتفاعل مع ما يُشاهد ويُسمع ويُشعر، ومنهم من يستطيع معالجة هذه المكونات عبر فعل اجتماعي يراه الكاتب من أعلى مستويات الفعل الاجتماعي، ألا وهو (الكتابة) التي ظهرت في السياق العربي والعالمي بعد المرحلة الشفهية.

جاء الروائي السماري نقطة جذب لكثير من التفاعلات الاجتماعية وما يترتب عليها من أفعال وردود فعل صادرة عن أفراد أو جماعات أو تأخذ شكل صيرورة حياتية تتنوع بتأثير ظروف معيشية وحالات إنسانية وتقلبات طبيعية وتضاريس أماكن، وكل ذلك بعلم الله ومشيئته. يصبح الإنسان داخل هذا الدوامة أحيانًا الحلقة الأضعف وأحيانًا الحلقة الأقوى، ويكون الرمز الأول الذي يلتقط من خلاله السماري تفاصيل الحياة وتجاذبات المجتمع لنقلها بأساليب روائية متنوعة تصنع مشاهد ومشاعر وتأملات تجعله، من وجهة نظر الكاتب، مشروعًا ثقافيًا بذاته وملكاته وذاكرته وتفاعله الداخلي عبر اختزال تلك العناصر ونقلها بالكتابة كفعل اجتماعي رفيع إلى عوالم السرد الفسيحة التي تبني حياة أخرى مأخوذة من الواقع لكنها غير متطابقة معه إلا في الكليات والقواعد الإلزامية المرتبطة بمفاهيم الوجود الكبرى مثل الموت والحياة والسعادة والكبد.

رواية “الأديب الضليل” ودلالاتها

بما أن الحديث عن أعمال السماري لا يتبع تسلسلًا محددًا، فإن عمله الأخير “الأديب الضليل” الذي استعار اسم تراثي عربي هو “الملك الضليل” افتتح به مساره الروائي mediante “تنويه” غير مدرج في فهرس المواضيع، يوضح ضمنًا أن العمل لا يرتبط بالواقع من حيث الأحداث أو الشخصيات إلا ضمن حدود الخيال أو التخييل الروائي، وهو إشارة واضحة تحدد مساحة الحركة المسموح بها عند قراءة هذا العمل.

بدأ السرد بتقنية تحاكي السير الذاتية ونوع من الرواة المستعمل في الأعمال الروائية، ثم انتقل إلى راوٍ عليم، وعاد لتقنية السيرة عبر استنطاق شخصية داخل العمل، مما يرسخ فكرة ضرورة وضع حدود في ذهن القارئ بين الواقع والخيال، وهي حدود ظهرت aparentemente دون قصد من السماري، ونابعة من خبرته في التعامل مع الكتابة من عقل المبدع الباطن الذي يوجه الفعل الكتابي نحو ما يجب أن يكون.

قدم السماري أمامنا قصصًا ومواقفًا وسلوكيات لشخصية ذات حضور مختلف وسمات متناقضة تجعل القارئ في حيرة؛ فهذه الشخصية لا يمكن التعامل معها ولا تهميشها ولا تجاهلها ولا الوثوق بها، بل يمكن الاتكال عليها! وقد صرحت عن نفسها قائلة “أرضعتني أكثر من عشرين امرأة”، ما يستدعي ما ذكره الروائي الكبير عبدالعزيز الصقعبي في إحدى رواياته عبر شخصية شاب يبحث عن زوجة لكنه يخشى أن تكون الفتاة التي يختارها أخته من الرضاعة، وهي ظاهرة اجتماعية مؤكدة بشواهد روائية وواقعية.

كما أن شخصية “فهد فرج”، الرئيسة في عمل السماري (أو البطل وفق بعض المدارس رغم اختلاف الآراء)، رغم جدلية وجود نظير لها في الواقع، تجد دعمًا في عدة روايات حيث يرسخ وجود مثل هذه الشخصية بتركيبتها الغريبة المتناقضة، ما يصدق ما وصم به السماري هذه الشخصية ويجعل مبالغة العمل الروائي تقع ضمن حدود مقبولة ومستساغة، بل قد تكون نقطة قوة واضحة تمنح رواية “الأديب الضليل” انتشارًا أوسع وتخلق حالة تشويقية تخدم العمل.

الإرث الأدبي والاجتماعي للسماري

سبق “الأديب الضليل” عدة أعمال أظهرت قدرة السماري على التقاط الحكايات من خلال شخصيات متشابكة مع نسيج المجتمع، مانحة إياه بصمة روائية خاصة وإن كانت غير واضحة بنفس الدرجة في كل أعماله؛ فمثلاً “الصريم” و”فيلق الأبل” قد تحتاج إلى قراءة أعمق لاكتشاف هذه البصمة على عكس “قنطرة” مثلاً، لكن الفعل الاجتماعي المنبعث من نواة شخصية إنسانية لا يختفي بالدرجة نفسها في جميع أعماله.

في “الأديب الضليل” أصبح تأثير هذا الأديب المجسد في شخصية فهد فرج محركًا لأهمية هذا الأديب، إذ إن دوره الأدبي المبني على ملكاته الخارقة وحضوره الأدبي الفكري يمثل طاقة تقابلها استجابة وقبول من المجتمع المتعامل مع هذا الأديب والمفكر (فهد فرج) رغم ما ابتلي به من تناقضات تصل إلى حد اللا معقول واللا مطاق. وفي “فيلق الأبل” نجد أن الفعل المتجسد من خلال الدور الذي قام به العقيلات من خلال تتبع شخصية محددة من شخصياتهم هو باعث القوة الأول في العمل الذي استنطق من خلاله الفعل الاجتماعي والدور الكبير للعقيلات، وهكذا يمكن قياس ذلك على بقية أعمال السماري.

أما فيما يتعلق بالسماري كمشروع، فإن هذا الإنتاج الأدبي لا يمكن أن يظهر لولا وجود قدرات خاصة ومواصفات ذات قيمة يمتلكها السماري: أسلوب في الكتابة، مهارة بحث، قدرة على تناول الأفكار وعرضها بأساليب إبداعية متينة ومتماسكة، وذاكرة تحتوي على مواد خام من الحكايات والمواقف والتواريخ والأحداث والشخصيات جديرة أن تستثمر من خلال قلمه أو أفكاره الثقافية التي يمكن توظيفها في ميادين العمل الثقافي لضمان الاستفادة منها وإبرازها. باختصار، يشكل الروائي الأديب أحمد السماري ذاكرة ثقافية وذاكرة اجتماعية وذاكرة تاريخية وقلمًا إبداعيًا قادرًا على استخراج من نسيجنا الاجتماعي حكايات ومواقف وعرضها في قالب روائي دون أن يلحق خيوط هذا النسيج بسوء أو ضرر.