في فضاء المنزل، كان للصباح طقسٌ ثابت لا يتغير: طرقات خفيفة على الباب، ثم ظهور مراسل والدي حاملاً حزمة من الصحف، فيما كانت رائحة القهوة العربية تنتشر في كل زاوية. الصحف تحتل مكانها بجانب الفطور، قبل أن تستقر جريدة «الرياض» في يدي والدي، وكأن الصباح لا يكتمل إلا بها.
قراءة عنوان للحياة
والدي كان ضابطاً شديد الإيمان بالعلم، يعتبر أن التعليم لا يتوقف عند حدود المدارس والجامعات، وأن القراءة تمثل ضبطاً آخر للعقل. لذلك، لم تكن الصحف في منزلنا مجرد أوراق تُقرأ ثم تُطوى، بل كانت جزءاً من تربيتنا اليومية. أمي كانت تقرأ مجلاتها الخاصة، ووالدي يتنقل بين عناوين الصحف، ونحن ننشأ في بيت يحضر فيه السؤال كما تحضر الإجابة، وتُعامل المعرفة كضرورة لا ترف.
من القارئة إلى الكاتبة
وبين صحف كثيرة كانت تعبر مائدة الفطور، بقيت لـ«الرياض» مكانة مختلفة في ذاكرتي. قرأتها وأنا طفلة لا تعلم أن للكلمات أقداراً، ولا أن الصحيفة التي تقلب صفحاتها بفضول ستمنحها، بعد سنوات، مساحة تكتب فيها باسمها. وحين أصبحت كاتبة في الصحيفة نفسها، أدركت أن بعض الأمنيات لا نعرف أنها أمنيات إلا عندما تتحقق. لم يكن الأمر مجرد انتقال من قارئة إلى كاتبة، بل عودة إلى ذلك الصباح الأول، من الجانب الآخر للصفحة. فالطفلة التي كانت تنتظر الجريدة إلى جانب قهوة والدها، أصبحت ذات يوم واحدة ممن ينتظر قارئ ما كلماتهم.
الرحيل الورقي… بقاء الجوهر
اليوم، تطوي «الرياض» فصل نسختها المطبوعة، لتواصل رحلتها في فضاء الإلكتروني. قد يبدو المشهد كوداع، لكنه في العمق عبور؛ فالصحافة التي رافقت تحولات بلد تعلم أن البقاء لا يعني التمسك بالشكل، بل القدرة على التجدد دون فقدان الجوهر. سنشتاق لحفيف الصفحات ورائحة الحبر، وربما زمناً كانت فيه الجريدة تصل إلى أبوابنا قبل أن يصل العالم إلى هواتفنا. لكن الوفاء للصحافة ليس حراسة ورقها، بل حراسة قيمة الكلمة التي حملها. وبين «الرياض» التي عرفناها مطبوعة، و«الرياض» التي نقرؤها اليوم على شاشة الجوال، يبقى السؤال: حين تتغير وسيلة الصحافة، كيف نحفظ لهيبة الكلمة مكانتها؟






