عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026
الرياض +21°C

من يشكل وعي الأطفال: العائلة أم الخوارزميات؟

15/09/2026 01:02

الخوارزمية ومعرفة الطفل

لم تعد عملية تربية الأطفال تقتصر على جدران المنزل فقط؛ فقد دخل إلى الساحة طرف هادئ لا يشارك في وجبات الأسرة ولا في قراراتها، لكنه يجمع عن صغارنا تفاصيل تفوق ما نتوقع، وذلك عبر الخوارزمية.

هذه الخوارزمية لا تقتصر على معرفة الاسم فقط، بل تراقب ما يجذب انتباه الطفل، وما يكرره، وما يتوقف عنده، وما يثير فضوله، ثم تبني من هذه التفاصيل صورة رقمية عنه.

دور الأسرة في التربية الرقمية

العائلة تعرف الإنسان من الداخل؛ تخاف ما لا يُقال، وتكتشف الحلم المخفي، وتدرك تغير المزاج من نبرة الصوت.

أما الخوارزمية فتعرف الطفل من أثره الرقمي؛ لا تسأل لماذا يحب هذا المحتوى، بل تكتشف أن هذا المحتوى يجعله يبقى مدة أطول.

وهنا تكمن المفارقة: الأسرة تبحث عن مصلحة الطفل، بينما الخوارزمية تسعى لاستمرار انتباهه.

هذا لا يعني أن التقنية شر أو أن كل استخدام رقمي يهدد الأبناء؛ منظمة الصحة العالمية أشارت إلى أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا والصحة النفسية لدى الشباب معقدة ومتبادلة؛ فقد يؤثر الاستخدام الرقمي في الصحة النفسية، كما يمكن للحالة النفسية نفسها أن تدفع إلى مزيد من الاستخدام.

التوجيهات الدولية وموازنة التأثير

لكن القضية الأعمق ليست عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل من يشارك في تشكيل وعيه خلال تلك الساعات؟

تنبّه اليونيسف في إرشاداتها المحدثة حول الذكاء الاصطناعي والأطفال إلى قضايا تتجاوز السلامة التقنية، لتشمل الخصوصية، والإنصاف، والشفافية، ومصلحة الطفل، ورفاهه ونموه، كما تؤكد الحاجة إلى أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي داعمة للعلاقات الإنسانية، لا بديلة عنها.

ولهذا ينبغي أن يتغير دور الأسرة: لم يعد كافيًا أن نسأل أبناءنا: ماذا تشاهدون؟ بل علينا أن نسأل: «ماذا صنعت فيكم الأشياء التي تشاهدون؟»

الطفل قد يتعلم من الشاشة كلمات جديدة، ومعلومات جديدة، وربما مهارات جديدة؛ لكنه قد يتعلم معها دون أن نشعر ما الذي يستحق اهتمامه، وما الذي يستحق غضبه، وما الصورة التي ينبغي أن يرى بها نفسه والآخرين.

إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس وقت الطفل، بل حقه في أن تتشكل شخصيته ببطء، وباختيارات واعية، لا وفق ما تقترحه عليه آلة تعرف كيف تستبقي انتباهه.

الخوارزمية تستطيع أن تتنبأ بما قد يشاهده الطفل غدًا، لكنها لا تستطيع أن تعرف الإنسان الذي يمكن أن يصبحه بعد عشرين عامًا.

وبذلك يبقى الدور الذي لا تستطيع التقنية أن تنتزعه من الأسرة: أن نعرف أبناءنا قبل أن تعرفهم الخوارزميات، وأن نصغي إليهم قبل أن يصبح الإصغاء وظيفة تقوم بها الآلة، وأن نمنحهم معنى أعمق من مجرد الاستهلاك المستمر للمحتوى.

المستقبل لا يحتاج أبناءً تعرف الخوارزميات ماذا يريدون، بقدر ما يحتاج أبناءً يعرفون هم ماذا يريدون، ولماذا يريدونه.