عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026
الرياض +21°C

لماذا فقدنا الرغبة في إصلاح الأشياء؟

15/09/2026 01:02

كان هناك زمان لم يكن فيه الناس يتخلصون من شيء لمجرد أنه تعطل. فالساعة التي تتوقف عن العمل كانت تُحمل إلى صانع الساعات، والكرسي الذي ينكسر يجد من يعيد إليه اتزانه، والثوب البالي يُرقّع بدلاً من أن يُستبدل، والكتاب الذي أنهكته السنوات يُعاد تجليده ليواصل عمره. لم تكن الأشياء القديمة أقل قيمة لأنها استُهلكت، بل كانت أحياناً أكثر قيمة لأنها عاشت طويلاً.

تغير العلاقة مع الأشياء

اليوم، تغيرت علاقتنا بالأشياء. أصبح الجديد هو الخيار الأول، وأصبح الإصلاح في نظر كثيرين مضيعة للوقت والمال. هاتف يتعطل فنستبدله، قطعة أثاث تتضرر فنبحث عن غيرها، وكتاب قديم نفقد الرغبة في الاحتفاظ به لأن النسخة الجديدة أجمل. المشكلة ليست في شراء الجديد – فالتجدد جزء من الحياة، والجديد متوفر بكثرة – وإنما في أن تتحول ثقافة الاستبدال إلى طريقة تفكير دائمة وحل سريع.

ما يحمله القديم من زمن وذاكرة

فالشيء القديم لا يحمل مادته فقط، بل يحمل زمنه. الطاولة التي على سطحها خدوش كثيرة ليست مجرد قطعة خشب، إنها ذاكرة أيدٍ وضعت فوقها، وأحاديث دارت حولها، وأيام مرت ولم تعد. والكتاب الذي اصفرت صفحاته ليس أقل جمالاً من كتاب جديد، ربما تكون قيمته الحقيقية في اليد التي قرأته قبلك، وفي الملاحظات التي تركها أحدهم على هامشه. لهذا تبدو بعض الأشياء القديمة عصية على الاستبدال، ولها وقع في النفس وذكرى قريبة وقيمة كبيرة. هي لا تبقى لأننا عاجزون عن شراء غيرها، بل لأن البديل، مهما كان أجمل، لن يحمل الحكاية نفسها معنا.

جمال الإصلاح ودرس الأشياء القديمة

وقد يكون أجمل ما في الإصلاح أنه لا يحاول إعادة الشيء إلى لحظته الأولى. القطعة التي أصلحت تحمل أثر الكسر، والكتاب المجدد يحتفظ بآثار صفحاته القديمة، والساعة التي عادت إلى العمل لم تستعد زمنها، بل واصلت زمناً جديداً، وهنا تكون المتعة ويحضر الفرق. ربما لهذا كانت الأشياء التي عاشت طويلاً أكثر قدرة على لمسنا وتحريك مشاعرنا. إنها لا تدّعي الكمال، ولا تخفي آثار الاستخدام، ولا تخجل من عمرها وزمنها، في زمن سريع يتعامل مع كل شيء بمنطق «الجديد أفضل»، قد نحتاج إلى أن نتعلم من الأشياء القديمة درساً بسيطاً: ليست القيمة دائماً فيما لم يُستخدم، بل فيما بقي محتفظاً بمعناه رغم الاستخدام، وقيمته رغم مرور الزمن.

هنا، ليس المطلوب أن نحتفظ بكل شيء، فبعض الأشياء تنتهي صلاحيتها فعلاً، لكن من الجميل أن نتوقف قبل أن نستبدل شيئاً ونسأل: «هل انتهت قيمته، أم انتهى صبرنا عليه؟ وهل وقت صلاحيته وجدوى استعماله تلاشت؟» فأحياناً لا يكون الشيء بحاجة إلى بديل جديد، وإنما إلى يد تعرف كيف تصلحه، وأنفساً تعرف قيمة الأشياء وتحافظ عليها.