عاجل
٤ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الخميس، 17 سبتمبر 2026
الرياض +17°C

قصة الضفدعة التي تحولت إلى فتاة وبركة الدعاء المستجاب

17/09/2026 03:02

الدعوة والمعجزة

في قرية بعيدة عاشت امرأةٌ حرمها الله من الإنجاب طويلاً، فثقل عليها عتاب الناس ونظراتهم حتى ضاق بها الحال. كانت تجلس على شاطئ الغدير تشاهد قفز الضفادع، فرفعَت كفيها إلى السماء ودعت بقلبٍ ملؤه الألم: “يا رب، ارزقني ولدًا يُأنس وحدتي، ولو كان ضفدعًا!”. استجابت القدرة الإلهية فحملت المرأة، وحين وضعت مولودها خرجت لها ضفدعةٌ صغيرة.

inicialmente شعرت الأم بالفزع، لكن عاطفة الأمومة غلبت خوفها، فاحتضنت الضفدعة وربتها ورعتها بعناية. كبرت الضفدعة وظهرت ذكيةً ولطيفةً، برّةً بأمها، حريصةً على خدمتها وإسعادها. كانت الأم تحتاج إلى ماءٍ يوميًا، فتضع الضفدعة القربة على ظهر الحمار وتذهب بها إلى البئر. كان أهل القرية يتعجبون من رؤية الضفدعة فوق الحمار، فيسارعون إلى ملء قربتها رأفةً بها وبأمها، ثم تعود مسرعة إلى البيت.

كشف الهوية والاختبار

في يومٍ صيفٍ حارٍ، أخذت الضفدعة الثياب وذهبت إلى واديٍ بعيد لتغسلها. بعد أن تأكدت من خلو المكان من الأعين، اختبأت خلف صخرةٍ كبيرة، ثم شقّت جلدها وانسلّت منه؛ فإذا هي فتاةٌ يتضوع الحسن من محياها، كأنها القمر في ليلة اكتماله، بشعرٍ أسود طويل ووجهٍ مشرقٍ يفيض نورًا. بدأت تغسل الثياب وتغني بصوتٍ شجيٍّ عذب.

كان ابن عمها، شابًا حازمًا فطنًا، يرعى غنمه بالقرب من الوادي. لفت انتباهه الصوت الشجي، فطلع من بين الأشجار ورأى فتاةً يأسر جمالها الأبصار. ظل يراقبها حتى رآها ترتدي جلد الضفدعة من جديد وتعود إلى هيئتها الأولى، فعرف سرها في الحال. في اليوم التالي تسلل خلفها، وما إن خلت بالوادي وخلعت الجلد، حتى أسرع إليها وألقاه في نارٍ كان قد أوقدها.

عندما عادت الفتاة ولم تجد جلدها، انهمرت دموعها خوفًا وأدركت أن سترها القديم قد زال، وأنها لن تستطيع العودة إلى هيئتها السابقة. خرج إليها ابن عمها يحمل لها ثيابًا فاخرة أعدها لها، وقال مطمئنًا: “أنا ابن عمكِ، فلا تخافي. لقد انقضت أيام العزلة، وأنتِ أمانةٌ في رقبتي.” فزعت الفتاة وقالت: “وكيف أعود إلى أمي بهذه الهيئة؟ ستصاب بالصدمة ولن تصدقني!”.

اللقاء والفرح

في تلك الأثناء، حلّ الليل على القرية، وكانت الأم تجلس عند عتبة بيتها يتآكلها الحزن وتقتلها اللوعة. غابت الشمس ولم تعد ابنتها، فأخذت تقلب كفيها حسرةً، والدموع تحفر مساربها على وجنتيها، وتنادي بصوتٍ يفطر القلوب: “يا قوم، هل رأيتم ضفدعتي؟ يا ناس، أين ابنتي التي كانت تؤنس وحدتي وتخدمني؟”. بينما كانت في أوج انكسارها، أقبل ابن عمها ومعه فتاةٌ تسلب الأبصار.

وقف الشاب وقال: “يا خالة، ابنتكِ لم تضع، بل عادت إليكِ في أبهى صورة!”. رفعت الأم رأسها المثقل بالهم، ونظرت إلى الفتاة، فإذا أمامها جمالٌ لم ترَ مثله من قبل؛ نورٌ يسطع من محياها كفلق الصبح، وعينان تفيضان رقةً وأدبًا، وحياءٌ يكسوها وقارًا وسكينة. بهتت الأم وذهلت، وظنت للوهلة الأولى أن الشاب يسخر من حزنها ولوعتها.

لكن الفتاة اقتربت منها برفق، وانحنت لتقبّل يديها وقدميها، وقالت بصوتٍ دافئ: “أنا ابنتكِ يا أمي… أنا من كنت أحمل القِربة على ظهر الحمار من أجلكِ!”. عندما ميزت الأم نبرة صوتها، ورأت ذلك الجمال والوقار، لم يحتمل قلبها الرقيق هذه المفاجأة؛ فشهقت شهقةً طويلة، وكادت أن تُغمى عليها من شدة الفرح، ثم طوّقت الفتاة بذراعيها المرتجفتين، كأنها تسترد روحها التي غابت عنها.

حكى لها ابن العم ما جرى في الوادي، وكيف اكتشف سرها وألقى الجلد في النار، لتتحرر من هيئتها القديمة ويظهر جمالها الحقيقي. خرّت الأم ساجدةً لله، تمزج دموع الفرح بدموع الندم، واستغفرت ربها على دعوتها القديمة، وقالت مقولتها التي ذهبت مثلًا: “أستغفر الله العظيم، يعطي الله العبد على قدر نيته ودعائه، فلو سألتُ الله غزالًا لأعطاني، ولكنني استعجلت وسألتُ ضفدعة!”. وهكذا بقيت الحكاية تُروى من جيلٍ إلى جيل، حاملةً في طياتها معنىً بسيطًا وعميقًا: لا تستعجل في الدعاء، ولا تحصر الخير فيما تراه بعينيك؛ فقد يأتيك ما تتمنى في صورةٍ لا تتوقعها، ويكون وراءها من الخير ما لم يخطر لك على بال.