مع اقتراب اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، تعود الذاكرة إلى قصة التوحيد وصورة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- والراية التي ارتفعت فوق أرض موحدة. وفي كل عام، يستعيد السعوديون تاريخهم من الصور والوثائق والحكايات، غير أن بعض الرموز الوطنية لا تحتاج إلى استعادة لأنها ظلت حاضرة في المشهد اليومي، وعلى رأسها العرضة السعودية بما تحمله من دلالات متجددة.
من راية التوحيد إلى رمز الهوية
تتجاوز العرضة السعودية كونها أداءً تراثياً، فهي مشهد متكامل: صفوف منتظمة، وبيرق يتوسطها، وقصيدة تصدح مستنهضة الهمم، وإيقاع يوحد الحركات. وتختتم هذه اللوحة بعبارة “تحت بيرق سيدي.. سمعًا وطاعة”، التي ليست مجرد خاتمة لأداء موروث، بل اختزال لفلسفة كاملة: صفوف متعددة تنتهي إلى موقف واحد، ووجدان يلتقي عند راية واحدة، ومرجعية يعرف الجميع موقعهم منها.
تاريخ يمتد من التأسيس إلى الحاضر
رافقت العرضة رحلة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في توحيد المملكة، حيث كانت جزءاً من مشهد تلتقي فيه الكلمة المشحونة بالعزيمة مع انتظام الصفوف الذي يجسد التماسك، والبيرق الذي يحدد الوجهة. ولهذا بقيت بعض أبياتها حية في الذاكرة السعودية، مثل قول “مني عليكم يا أهل العوجا سلام.. واختص أبو تركي عمى عين الحريب”، حيث يعيد ذكر “أبو تركي” إلى الأذهان مباشرة الملك عبدالعزيز، ليس كاستعادة تاريخية فحسب، بل لأن البيت يحمل روح المرحلة التي تشكلت فيها المملكة.
ولو كانت العرضة مرتبطة فقط بمرحلة التوحيد لبقيت محصورة في كتب التاريخ، لكنها استمرت تؤدي معناها في العهود اللاحقة. ففي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- صدحت الأبيات: “نحمد الله جت على ما تمنى.. من ولي العرش جزْل الوهايب”، في سياق وطني مختلف. وهكذا انتقلت العرضة من استنهاض الصفوف إلى التعبير عن وحدة الصف والكلمة، حتى أصبحت أحد أبرز تجليات الشخصية السعودية في المناسبات الرسمية والوطنية.
دبلوماسية رمزية: من المربع إلى العالم
هنا تبدأ القراءة الاتصالية للعرضة، فالرمز نفسه لم يتغير جوهرياً لكن جمهوره اتسع. فمن الحضور في الميدان المحدود إلى الانتقال عبر الشاشات والمنصات إلى جمهور يتجاوز الحدود، أصبحت العرضة جزءاً من لغة المملكة في تقديم ذاتها لضيوفها والعالم. وهذا التحول لا يجعل منها “اتصالاً استراتيجياً” بالمفهوم المهني الحديث، لكنه يكشف أن وظائف الاتصال أقدم من مصطلحاته: رسالة واضحة، ورمز جامع، وصف متماسك، ومرجعية، وتكرار يحول الكلمة الفردية إلى معنى جماعي.
ويتجلى ذلك بوضوح في حضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- مع العرضة، حيث يعكس ارتباطه العميق بتاريخ المملكة والعرضة وقصائدها، وتفاعله مع أبياتها ولا سيما التي تستحضر الملك عبدالعزيز. ومن أكثرها دلالة بيت “نجد شامت لبو تركي وأخذها شيخنا”، الذي ظل يتفاعل معه في مناسبات مرتبطة بالدرعية وتاريخ الدولة.
وتقدم زيارة الرئيس الأمريكي إلى الرياض عام 2017 مثالاً واضحاً على اتساع وظيفة الرمز. ففي هذه الزيارة التي تابعها العالم، حضرت العرضة السعودية في قلب المشهد بقصر المربع، وعادت الكلمات نفسها لتصدح: “نحمد الله جت على ما تمنى”، فيما شارك الرئيس الأمريكي في أدائها إلى جوار خادم الحرمين الشريفين. لم تكن دلالة اللحظة في مشاركة رئيس دولة كبرى في موروث سعودي فحسب، بل في المعنى الاتصالي الأعمق: لم تغير المملكة رمزها ليلائم من تستقبله، بل أدخلته في الرمز السعودي نفسه. وهذا فارق بالغ الدلالة، فالدولة الواثقة لا تحتاج إلى تقديم نفسها بلغة الآخر، بل تقدم ذاتها من خلال رموزها: البيرق، والإيقاع، والقهوة السعودية.
العرضة في مسيرة التحول: من الماضي إلى المستقبل
ومع اتساع الحضور السعودي عالمياً بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-، ازدادت قدرة الهوية السعودية على الحضور بثقة في هذا المشهد الجديد. وفي الدرعية التي يرأس سموه مجلس إدارة هيئة تطوير بوابتها، جاءت مبادرة “الدرعية بيت العرضة” لتعليم النشء أصول العرضة ونقلها إلى جيل جديد، في دلالة تتجاوز حفظ الموروث إلى ترسيخ استمراره ونقله إلى المستقبل.
وهكذا تصبح العرضة أكثر من موروث محفوظ، فالحفاظ على الرمز لا يعني إبقاءه ساكناً في صورته الأولى، بل فهم كيفية استمراره في أداء معناه مع تغير الزمن واتساع الجمهور. في المشروع السعودي المعاصر، اتسع الانفتاح على العالم واتسع معه مجال حضور الهوية؛ فكلما زادت مساحة المملكة في الاقتصاد والاستثمار والثقافة والسياحة والرياضة والدبلوماسية، أصبحت رموزها أكثر قدرة على الحضور معها، لا البقاء خلفها.
لعل أجمل ما في العرضة ليس السيف ولا القصيدة كل على حدة، بل قدرتها على جمع عناصر كثيرة في معنى واحد. الكلمة فيها ليست زخرفاً، والبيرق ليس تفصيلاً بصرياً، وانتظام الصف ليس حركة شكلية، فكل عنصر يؤدي وظيفة داخل صورة أكبر. وفي لغة الاتصال المعاصر، لا تبدأ قوة الرسائل الكبرى بكثرتها بل بوضوحها وقدرتها على ترسيخ المعنى برسالة واحدة يلتف حولها الجميع.
مع حلول اليوم الوطني وعودة قصة التوحيد إلى الواجهة، تبدو العرضة جديرة بأن تُقرأ بما هو أبعد من حضورها في الذاكرة الوطنية. فقد رافقت مرحلة التوحيد، ثم تجاوزت ظرفها الأول من دون أن تفقد معناها، وظلت قادرة على الانتقال من سياق إلى آخر ومن جمهور إلى آخر، كلما اتسع حضور المملكة واتسعت معه مساحة الرمز السعودي. من رحلة التوحيد إلى اتساع الحضور في العالم، تغير الميدان، واتسع الجمهور، وتبدلت الأزمنة وأدوات الاتصال، لكن العرضة لم تحتج إلى التخلي عن أصلها لتظل حاضرة. تحت بيرق سيدي.. سمعاً وطاعة.
كاتب مختص في الاتصال المؤسسي والشؤون الإعلامية






