عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

لبنان عالق بين نيران الطرفين وسط انهيار مسار واشنطن

12/06/2026 05:00

من الصعب الأخذ بجدية ما يُعرف بـ”اتفاق واشنطن” بشأن الوضع اللبناني، ليس فقط لافتقاره إلى التوازن، بل أيضاً لأن صياغته تركز على المصالح المشتركة بين واشنطن وتل أبيب، متجاهلة مطالب الوفد اللبناني التي لم تُذكر، وفي مقدمتها انسحاب الاحتلال كمبدأ قانوني بالتزامن مع انسحاب مقاتلي “حزب إيران” و”الحرس الثوري الإيراني”.

موقف لبنان الرسمي من الاتفاق

التقط الرئيس جوزف عون عبارة “وقف تام لإطلاق النار” واعتبر أنها “الفرصة الأخيرة” للوصول إلى هدنة دائمة. أما رئيس الحكومة نواف سلام فركز على النقطة المتعلقة بأن الجيش اللبناني “سيبدأ الانتشار في مناطق تجريبية جنوباً كخطوة عملية أولى نحو استعادة سلطة الدولة”، مشيراً إلى أن هذا الانتشار “لا يمس بحق لبنان في المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضيه”. هذا ما تمكنت الدولة اللبنانية من تحقيقه في هذه المرحلة، وهي لا تتعامل مع الأوهام ولا تقيم موازين القوى وفق معايير أيديولوجية. لكن ما حدث لاحقاً هو أن إسرائيل تعاملت مع “الاتفاق” كالعادة باعتباره مجرد حبر على ورق.

رد إيران وتداعياته

بدا الاختلال المتعمد في “الاتفاق” وكأنه دعوة رسمية لطهران للتدخل، وقد لبّت الدعوة بسرعة متخلية عن أي تحفظ أو “دبلوماسية”. فقبل أن يعلن “حزبها” أو أمينه العام موقفهما، كان قائد “فيلق القدس” يطالب بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان و”عودتها إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل اندلاع الحرب (على إيران)”. لم تقتصر طهران على تأكيد تمسكها بـ”ورقة لبنان” في المفاوضات، بل عبّرت بوقاحة عن تجاهل تام لوجود “لبنان- الدولة”، داعية أتباعها إلى المراهنة على أوهام “مسار إسلام أباد”، لأن التزامات “مسار واشنطن” غير قابلة للتنفيذ. كان إسماعيل قاآني يرد على نص “الاتفاق” بأن أي وقف للأعمال العدائية “يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين (اللبنانية والإسرائيلية) بوساطة أمريكية، وليس عبر أي مسار منفصل”. لا شك في أن الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني ضروري، لكن الطريقة الأمريكية-الإسرائيلية تمعن في ربطهما.

تعطيل الاتفاق وتصاعد النيران

عطل الرد الإيراني عملياً مفاعيل “اتفاق واشنطن” ووفّر لـ”الحزب” و”الحرس” مبررات لاستمرار الحرب وجر مزيد من المجازر والاحتلالات الإسرائيلية، إلا أنه كان متوقعاً، حتى أن الجانبين الأمريكي والإسرائيلي لم يعلقا عليه، ربما لأنه جاء مناسباً لتبرير ما سيأتي من تصعيد. أما لبنان فيجد نفسه واقعاً، سواء بالتفاوض أو بدونه، في مرمى النار المتبادلة. لو كان نص “الاتفاق” أكثر تركيزاً وذكاءً، بل أكثر تحسساً لمعاناة اللبنانيين واحتراماً للدولة، لما سهل رفضه إلى هذا الحد. لكن إيران تلقت “الاتفاق”، أو “إعلان المبادئ” كما تصفه إسرائيل، كتحدٍ لم يترك لها مجالاً للمناورة، ثم إن وزير الدفاع الإسرائيلي سارع إلى استخلاص أن النص “يتيح لإسرائيل قصف بيروت”، أي أن معادلة “الضاحية مقابل شمال إسرائيل” سقطت. أما وقف إطلاق النار “المشروط بإبعاد عناصر حزب الله أولاً من كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح” فشكل سبباً كافياً لرفضه من جانب إيران.

الطريق المسدود والانتظار القاتل

لكن، ما الذي يمكن لإيران أن تحققه لـ”حزبها” اللبناني عبر “مسار إسلام أباد”؟ فهي غير مخولة بالتفاوض بالنيابة عن لبنان- الدولة، كما أنها ترفض التفاوض مع إسرائيل، لكن وقف إطلاق النار في لبنان رهن موافقة إسرائيل، وهو أيضاً رهن موافقة أمريكا التي باتت منخرطة في الفصل بين إيران ولبنان وتُعطي إسرائيل “حق الدفاع عن النفس” -الذي يعطل أي اتفاق- كما ترفض الضغط عليها طالما أن “حزب إيران” متمسك بسلاحه وبالقتال تلبية لأوامر إيرانية. لا يمكن اختراق هذه الحلقة المقفلة إلا بمساومة بين واشنطن وطهران تتضمن تسوية ما للسلاح لقاء مكاسب سياسية لـ”الحزب”. لكن البحث في تسوية كهذه لن يكون وشيكاً، ولن يُفتح ملفها إلا بعد أن يحل الطرفان خلافاتهما المستعصية (البرنامج النووي وقضية مضيق هرمز والأرصدة المجمدة والعقوبات). وفي الانتظار يواصلان اللعبة: ضربات أمريكية مباشرة لمواقع إيرانية، ضربات إيرانية لدول الخليج، وضربات إسرائيلية في لبنان.

* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»

للنشر و الاعلان