من الطبيعي أن يتطلع كل إنسان إلى حياة أفضل، وأن يسعى للحصول على التقدير والمكانة التي يرى نفسه أهلاً لها، فهذا حق مشروع وأحد المحركات الأساسية للتقدم والنهوض. فالطموح هو ما يدفع الإنسان إلى التعلم والعمل وتطوير ذاته باستمرار، لكن الطموح شيء والشعور بالاستحقاق غير المرتبط بالجهد والعمل شيء آخر مختلف تماماً.
الطموح محرك أساسي للتقدم
في السنوات الأخيرة، ظهرت ثقافة جديدة تجعل بعض الناس يعتقدون أن مجرد الرغبة تكفي للحصول على الفرص، وأن التقدير يجب أن يأتي قبل الإنجاز، وأن المكانة حق طبيعي لا يحتاج إلى إثبات. وهنا تبدأ المشكلة التي تستحق المراجعة والتدقيق، لأن الحياة لا تُدار بما نراه لأنفسنا، بل بما نقدمه لها، وإلا لاختلت الأمور وتناقضت وأصبحت عشوائية تحكمها الفوضى.
فخ الشعور بالاستحقاق دون جهد
أصبح من المألوف أن يشعر البعض بالظلم لأن غيره تقدم عليه أو نال فرصة كان يتمناها، دون أن يسأل نفسه بمنطقية: ماذا قدمت؟ هل بذلت ما يكفي؟ هل طورت أدواتي بالقدر الذي يجعلني جديراً بما أطالب به؟ فليس كل تأخر ظلماً، كما أن كل نجاح للآخرين ليس انتقاصاً من حقوقنا أو تقليلاً منها.
ولا يعني ذلك أن الفرص متكافئة دائماً، أو أن الحياة تخلو من المحسوبيات والعقبات، لكنها في النهاية تكافئ، على المدى البعيد، من يواصل البناء على نفسه. أما من ينتظر الاعتراف بقدراته دون أن يسعى إلى صقلها، فإنه يستهلك وقته في لوم الظروف أكثر من استثمارها.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
تزداد هذه الثقافة وضوحاً مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض النجاحات في صورها النهائية، بينما تغيب سنوات التعب والمحاولات والإخفاقات التي سبقتها، فيظن البعض أن الوصول كان سهلاً، وأنه يستحق النتيجة ذاتها، دون أن يمر بالطريق نفسه.
ومن أخطر ما تخلفه ثقافة الاستحقاق أنها تجعل الإنسان أسير المقارنة بينه وبين غيره، فهو لا يقيس نجاحه بما أنجز، بل بما حققه الآخرون، فتتراجع لذته بكل خطوة يحققها، لأنه ينظر دائماً إلى ما ينقصه، لا إلى ما قطعه من طريق وما حققه من نجاح.
طريق الاستحقاق الحقيقي
إن الاستحقاق الحقيقي لا يُمنح بالادعاء، بل يُكتسب بالعمل، وهو لا يحتاج إلى من يعلنه، لأن الإنجاز نفسه يصبح أبلغ شهادة لصاحبه، فهو توثيقه الجاهز الحاضر. فالإنسان الذي يطور معرفته، ويحسن أداءه، ويثابر على أهدافه، لا يضطر كثيراً إلى المطالبة بحقه، لأن ما يقدمه يفرض حضوره واحترامه ووجوده.
كما أن النضج يقتضي أن يفرق الإنسان بين ما يتمناه، وما يستحقه في هذه المرحلة من حياته بالذات. فالأمنيات لا تكفي ولا تُغني، والموهبة وحدها لا تكفي ولا تحقق الهدف، وحتى الفرص لا تكفي إذا لم تجد من هو مستعد لها وعازم على المضي نحو استغلالها لصالحه.
إن أجمل صور الاستحقاق أن يكون الإنسان في سباق مع نفسه، لا مع الآخرين. يفرح بتقدمه، ويتعلم من تعثره، ويؤمن أن كل خطوة صادقة تقربه مما يستحقه فعلاً، لا مما يتخيله. فالحياة لا تبخل على المجتهدين، لكنها لا تمنح ثمارها لمن يكتفي بالشعور بأنه يستحقها، ثم يقف متفرجاً ينتظر دون أن يسعى. وبين الطموح ووهم الامتياز خيط رفيع، يعبره من يجعل العمل أساساً للاستحقاق، لا مجرد الرغبة فيه.






