عاجل
١٢ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 28 يوليو 2026
الرياض +18°C

نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر بين الأمن السيبراني والسيادة الرقمية

28/07/2026 07:01

يثير الانتشار السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر، مثل Kimi K3، تساؤلات متصاعدة حول المخاطر الأمنية المحتملة، لا سيما مع تزايد اعتماد المؤسسات والمطورين عليها في تطبيقات حساسة. وعلى الرغم من أن الانتقادات غالباً ما تُوجَّه إلى مصدر النموذج أو شفافية الأكواد، يرى خبراء أن طبيعة البرمجيات مفتوحة المصدر ليست المشكلة الجوهرية، بل تعتمد المخاطر على كيفية دمجها وتشغيلها داخل الأنظمة الرقمية.

المخاطر الأساسية واستخدام النماذج المفتوحة

تتمثل أبرز المخاطر في احتمالية استغلال الثغرات الأمنية، أو إساءة استخدام النماذج لتنفيذ هجمات إلكترونية، أو إدخال مكونات برمجية غير موثوقة ضمن سلاسل التوريد الرقمية، إضافة إلى مخاوف تتعلق بحماية البيانات والخصوصية عند استخدام النماذج دون ضوابط أمنية كافية. ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا تقتصر على النماذج الصينية، بل تنطبق على أي نموذج مفتوح المصدر يُنشر أو يُطور دون مراجعات أمنية وإجراءات حوكمة فعالة.

وجهات نظر الخبراء حول التهديدات والحوكمة

يخلص سام ساكس، الزميل البارز في مؤسسة “نيو أميركا” ومعهد أميركا والصين ومستقبل الشؤون العالمية في جامعة جونز هوبكنز، في مقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، إلى أن “المشكلة الحقيقية لا تكمن في البرمجيات مفتوحة المصدر في الخارج، بل في غياب التنسيق لحماية البنية التحتية في مواجهة الهجمات الإلكترونية”. ويضيف ساكس أن واشنطن تركز على المراقبة، وسرقة الملكية الفكرية، والتجسس، واحتمالية تورط الصين في البنية التحتية المحلية الحيوية. وتشير التقارير إلى أن البيت الأبيض يبحث عن أدوات للحد من انتشار النماذج الصينية مفتوحة المصدر، أو حتى فرض عقوبات عليها. ويؤكد أن النماذج مفتوحة المصدر مثل Kimi K3 تتيح تحميل وتشغيل المعلمات من قبل أي شخص، حيث تقوم الشركات بتحميل الأوزان وضبط النموذج ثم تشغيله على بنيتها التحتية الخاصة. ويرى أن الأهم هو من يملك ويشغل الخادم الذي يُشغّل النموذج، ويمكن للمستخدمين الأميركيين القلقين بشأن إرسال البيانات إلى الصين تشغيل النماذج على أجهزة محلية يتحكمون بها أو من خلال مزودي خدمات استدلال تابعين لجهات خارجية.

ويشير ساكس إلى أن النماذج الصينية المفتوحة لا تخضع للرقابة بشكل موحد، ويؤثر مكان استضافة النموذج على الوضع. فعند استضافته على بنية تحتية أميركية، يجيب النموذج على أسئلة محظورة داخل الصين. وبما أن الأوزان مفتوحة، يمكن للمستخدمين تغيير قيود المحتوى. وحتى لو كانت البيانات مُخزّنة داخل الصين، حيث يُلزم القانون الشركات بالتعاون مع قانون الاستخبارات الوطنية، فإن بعضها يُبدي مقاومة تُقيّد وصول الحكومة إليها. ففي مارس من هذا العام، اشتبك مفتشو الحكومة الصينية، الذين سعوا للوصول إلى بيانات منصة التجارة الإلكترونية “بيندودو”، مع موظفين حاولوا منعهم من الدخول، ما أسفر عن إصابة أحد المسؤولين بكسر في إصبعه. ويشير ساكس إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى خيار مفتوح المصدر قابل للتطبيق، وهو ما بات أداة حاسمة في تعزيز النفوذ الوطني، ويشبهه كيفن شو من شركة “إنتركونكتد كابيتال” بأفلام ديزني وموسيقى البوب الكورية. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في افتقار واشنطن إلى نهج شامل لدعم البنية التحتية الحيوية في مواجهة الهجمات الإلكترونية القوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

فروقات بين النماذج الصينية والأميركية

يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جامعة سان هوزه الحكومية بولاية كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “من الضروري التفريق بين المخاطر المرتبطة بالنماذج المفتوحة بشكل عام، وبين المخاطر التي قد ترتبط بالجهة المطورة أو بالإطار القانوني الذي تعمل ضمنه”. ويضيف أن “النماذج الصينية ليست جميعها مصدراً للخطر، كما أن النماذج الأميركية أو الأوروبية ليست بمنأى عن المخاطر الأمنية أو التقنية”. ويوضح أن من أبرز المخاطر أمن سلسلة التوريد، إذ قد تتضمن بعض النماذج أو الأدوات المصاحبة لها تعليمات برمجية أو مكونات إضافية غير مدققة، مؤكداً ضرورة التحقق من مصدر النموذج وسلامة ملفاته قبل تنزيله من المستودعات العامة. ويضيف بانافع أن الخصوصية وحماية البيانات تمثلان عاملاً أساسياً، موضحاً أن استخدام النموذج عبر خدمات سحابية قد يؤدي إلى انتقال البيانات إلى خوادم خارج الدولة، بينما ينخفض هذا الخطر عند تشغيل النموذج محلياً داخل بيئة المستخدم. ويشير إلى أن الامتثال للقوانين المحلية يعد عنصراً مهماً، فالشركات الصينية تخضع للقوانين الصينية، كما تخضع الشركات الأميركية للتشريعات الأميركية، ولذلك فإن بعض الحكومات والقطاعات الحساسة قد تفرض قيوداً على استخدام نماذج أجنبية لأسباب تتعلق بالأمن القومي. ويلفت إلى أن بعض النماذج قد تعكس تحيزات أو ضوابط ثقافية وسياسية ناتجة عن طبيعة البيانات التي تدربت عليها، كما أن النماذج المفتوحة يمكن لأي جهة تعديلها أو إعادة نشرها، بغض النظر عن بلد المنشأ، ما يستوجب التأكد من استخدام النسخ الأصلية الموثقة. ويضيف أن مستوى الشفافية والتوثيق يختلف من نموذج إلى آخر، فبعض المطورين يوفرون معلومات تفصيلية حول بيانات التدريب وآليات التقييم، في حين تكتفي نماذج أخرى بمعلومات محدودة. وحول ما إذا كان ينبغي تجنب هذه النماذج، يؤكد بانافع أن القرار يعتمد على طبيعة الاستخدام، ويمكن استخدامها بأمان نسبي في مجالات التعليم والبحث والتطوير عند تشغيلها محلياً وبعد التحقق من مصدرها، بينما تحتاج الشركات إلى مراجعة أمنية شاملة قبل الدمج، وتتبع الحكومات سياسات أكثر تشدداً. ويختتم بالتأكيد على أن “الخطر الحقيقي لا يكمن في كون النموذج صينياً أو أميركياً، وإنما في مكان تشغيله، ونوعية البيانات التي يتم إدخالها إليه، ومدى موثوقية مصدره، وطبيعة التطبيق الذي سيُستخدم فيه”، مشيراً إلى أن هذا يدفع العديد من المؤسسات إلى تشغيل النماذج مفتوحة الأوزان داخل مراكز بياناتها الخاصة، سواء كانت نماذج صينية مثل Qwen وKimi أو أمريكية مثل Llama.

النماذج الصينية: أرخص وأكثر انفتاحاً

ويشير تقرير لشبكة “إيه بي سي” إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تكتسب زخماً، مع تحقيقها تقدماً في الولايات المتحدة، ويصفها بأنها “أرخص وأكثر انفتاحاً وذكاءً”. ويذكر أن كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة موزيلا التي تدير متصفح فايرفوكس، ومقرها سان فرانسيسكو، رافي كريكوريان، تحول إلى استخدام نظام كيمي كيه 3 من شركة مونشوت الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي للعديد من أنشطته اليومية في غضون أيام من إطلاق النموذج الجديد قبل أكثر من أسبوع. وقال عن برنامج K3 “يبدو أسرع بكثير”، مقارناً إياه ببرنامج الدردشة الآلي “كلود فابل” من شركة “أنثروبيك” في سان فرانسيسكو. وكان يستخدم سابقاً نموذجاً صينياً آخر عالي الأداء، وهو GLM-5.2 من شركة Z.ai، للمهام الروتينية مثل إدارة التقويم والمستندات والبريد الإلكتروني. ويُعدّ كريكوريان واحداً من بين عدد متزايد من الأميركيين الذين يتبنون أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية، والتي تكتسب رواجاً عالمياً نظراً لانخفاض تكلفتها وكفاءتها المتزايدة. وقد صرّحت شركات أميركية، مثل منصة تداول العملات الرقمية كوين بيس، بأنها بصدد التحوّل إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية للمساعدة في خفض التكاليف. وأثارت شعبية تلك النماذج استياء بعض عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، ولكن في غياب حظر صريح، من المرجح أن تستمر في جذب مطوري البرامج المستقلين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: إن المخاطر المرتبطة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لا تقتصر على النماذج الصينية وحدها، بل تشمل جميع النماذج المفتوحة التي قد تفتقر إلى ضوابط كافية لحماية البيانات والأمن السيبراني. ومع ذلك، فإن النماذج الصينية تثير قدراً أكبر من المخاوف لدى العديد من الشركات والمؤسسات بسبب الاعتبارات المرتبطة بالأمن السيبراني وحوكمة البيانات. ويتمثل أبرز هذه المخاطر في حماية خصوصية المستخدمين، إذ قد لا تكون البيانات التي يتم إدخالها إلى هذه النماذج محمية بالشكل الكافي، ما يزيد احتمالات مشاركتها أو معالجتها من قبل أطراف ثالثة أو استخدامها في أغراض أخرى دون علم المستخدم. ويؤكد يرق أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو جودة المعلومات التي تقدمها هذه النماذج، إذ تعتمد في كثير من الأحيان على مصادر خارجية قد لا تتمتع بالدقة أو الموثوقية الكافية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مخرجات غير دقيقة أو مضللة، خاصة عند استخدامها في الأعمال أو اتخاذ القرارات. ويشير إلى أن استخدام النماذج مفتوحة المصدر يتطلب درجة عالية من الحذر، ولا سيما عند التعامل مع بيانات شخصية أو معلومات حساسة، وتصبح المخاطر أكبر عندما يتم استخدام هذه النماذج داخل الشركات، لأن ذلك قد يعرض البيانات المؤسسية والملكية الفكرية ومعلومات العملاء لمخاطر أمنية وتسريب محتمل. ويختتم يرق حديثه بالتأكيد على أن الشركات التي تعتمد على هذه النماذج يجب أن تضع سياسات واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن تطبق أعلى معايير الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، مع اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية اللازمة قبل دمج أي نموذج مفتوح المصدر في بيئة العمل.