عاجل
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأحد، 14 يونيو 2026
الرياض +16°C

انهيار الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب: أزمات، شغلات غير تقليدية وفراغات سفارية

23/05/2026 09:07

في السابع من أبريل، حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من أن “حضارة كاملة ستفنى الليلة”. جاء ذلك التصريح في ظل تخوف دبلوماسي أوروبي مقيم في واشنطن من أن الرئيس قد يكون يفكر في استعمال سلاح نووي. سعى الدبلوماسي إلى الحصول على إجابة سريعة من وزارة الخارجية الأمريكية، لكنه صُدم برد غير واضح أفاد بأن المسؤولين لا يعرفون ما المقصود بكلام ترامب أو الإجراءات التي قد تترتب على ذلك.

تفاقم القلق الدولي وتراجع القنوات التقليدية

تجاوز القلق الأوروبي والآسيوي مجرد سؤال حول جدية تهديد ترامب، إلى مخاوف من أن تستغل روسيا الأزمة لتبرير تهديدات مماثلة في أوكرانيا، ما قد يفضي إلى صراع نووي على قارتين. سعت حكومات أوروبا إلى الحصول على تطمينات عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، إلا أن الرد الأمريكي كان غيابًا أو صمتًا، ما عكس ضعف قنوات الاتصال بين السفارات الأمريكية وواشنطن. وفقًا للاتحاد الأمريكي للخدمة الخارجية، ما يزيد عن نصف سفارات الولايات المتحدة البالغ عددها 195 سفارة شاغرة حاليًا.

آراء خبراء وتقييمات إدارتي ترامب

أشارت مارغريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي بجامعة أكسفورد، إلى أن إدارة ترامب تقوض قدرة واشنطن على فهم البيئة الدولية، ما يزيد من مخاطر عدم الاستقرار العالمي. وأضافت أن الدبلوماسية التقليدية لم تعد قادرة على بناء علاقات متبادلة أو تجنب الحروب. من جهتها، نفت إدارة ترامب فكرة الانهيار، مؤيدةً أن التغييرات التي أجرتها الإدارة قد عززت الدبلوماسية وسهلت اتخاذ القرار. صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت بأن الرئيس يحق له اختيار من يمثل مصالح الشعب الأمريكي في كل مكان.

تجارب دبلوماسيين ومقابلات حصرية

يعتمد هذا التقرير على مقابلات مع أكثر من خمسين دبلوماسيًا بارزًا ومسؤولًا في البيت الأبيض وسفراء تقاعدوا مؤخرًا، إلى جانب عدد من المسؤولين الأجانب في أوروبا وآسيا. وأظهر اللقاءات أن حكومات الحلفاء بدأت تعيد تنظيم دبلوماسيتها لتتجه نحو دائرة ضيقة من القائمين على التواصل المباشر مع الرئيس، متجنبة الاعتماد على القنوات الرسمية التي باتت أقل اتساقًا.

بعد تهديد ترامب بإبادة إيران، صاغ مسؤولو بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانًا مشتركًا حادًا، لكنه لم يُعلن خوفًا من أن يدفع التوبيخ العلني ترامب إلى مواصلة القصف. وفي مساء ذلك اليوم أعلن ترامب عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران، دون أن ترد وزارات الخارجية في تلك الدول على طلبات التعقيب.

تقلص الوجود الدبلوماسي وتعيينات غير تقليدية

أصبح النفوذ والمعلومات في عهد ترامب محصورًا في عدد محدود من المبعوثين، أبرزهم جاريد كوشنر صهر ترامب والمطور العقاري ستيف ويتكوف، ولا يشغل أي منهما مناصب حكومية رسمية ولا يمتلكان خبرة دبلوماسية سابقة. وجدت “رويترز” أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي أولوية للتواصل معهما على القنوات الرسمية، دون أن يرد الاثنين على طلبات التعليق.

سعت دول أخرى إلى قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض؛ فمثلاً تجاوز المسؤولون الكوريون الجنوبيون المفاوضين التجاريين الأمريكيين وتواصلوا مباشرة مع سوزي وايلز، مسؤولة البيت الأبيض التي اعتُبرت قادرة على تفسير نوايا ترامب في ظل أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها بنسبة 25٪. أما اليابان فاستعانت بماسيوشي سون، مؤسس “سوفت بنك” وصديق ترامب في رياضة الغولف، كوسيط غير رسمي.

إعادة هيكلة وزارة الخارجية ومشروع 2025

في أبريل 2025، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الوزارة بأنها “بيروقراطية متضخمة” تحكمها “إيديولوجية سياسية متطرفة”، معلنًا عن خطة لإعادة تنظيم شاملة أُشير إليها في “مشروع 2025” الصادر عن مركز أبحاث يميني في واشنطن. سُحب نحو ثلاثة آلاف موظف من الوزارة، وفُصل نصفهم تقريبًا، بينما قدم النصف الآخر استقالاته مقابل تعويضات تمثل 15٪ من القوة العاملة داخل الولايات المتحدة.

في ديسمبر من ذلك العام، أمر روبيو باستدعاء غير مسبوق لنحو ثلاثين سفيرًا من مختلف القارات. وعلى الرغم من وعود روبيو بأن الهيكلة الجديدة ستمكن الوزارة من “القاعدة إلى القمة”، فإن الجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية تشير إلى أن 109 من أصل 195 منصب سفارة أمريكية ما زالت شاغرة.

تأثيرات على مجلس الأمن القومي والسفارات في مناطق الصراع

خفض ترامب عدد موظفي مجلس الأمن القومي من مئات إلى بضعة عشرات فقط في عام 2025، ما أدى إلى توقف الاجتماعات الدورية بين الوكالات وتقلص التوجيهات الرسمية بشأن قضايا مثل الحرب في أوكرانيا ومستقبل حلف الناتو. اعتمد الموظفون على متابعة حساب ترامب على منصة “تروث سوشيال” للحصول على إشارات سياسية.

كما أن معظم السفارات الأمريكية في مناطق الصراع الآن تُدار من قبل القائمين بالأعمال بدلاً من السفراء المعتمدين من مجلس الشيوخ، وهو ما اعتبرته بعض الدول خفضًا لمستوى العلاقات الدبلوماسية. وأشار سفراء أمريكيون سابقون إلى أن نقص الوجود الدبلوماسي ساهم في فوضى إجلاء المواطنين الأمريكيين عندما اندلعت الحرب مع إيران.

الانقسام بين الدبلوماسيين المحترفين والمعينين سياسياً

تظهر الأرقام أن نسبة السفراء المحترفين في عهد ترامب الثانية انخفضت إلى نحو 9٪ فقط من إجمالي السفراء، مقارنةً بنسبة تتراوح بين 57 و74٪ في الإدارات السابقة. معظم السفراء الذين استُدعيوا في ديسمبر كانوا من المحترفين الذين عُينوا في عهد بايدن، لكنهم خدموا أيضًا في إدارات سابقة، بما في ذلك إدارة ترامب.

من بين الأسماء البارزة، برينك، السفيرة الأمريكية في أوكرانيا، انتقدت وقف المساعدات العسكرية المفاجئ الذي لم يُعطَ له تفسيرًا رسميًا، مشيرة إلى أن فريقها كان مضطراً للعمل خلف الكواليس لإقناع الإدارة باستئناف الدعم، وهو ما تحقق في 11 مارس. ولم يُصدر أي بيان رسمي من البنتاغون بشأن روايتها.

المبعوثون الخاصون وتدخلاتهم في المفاوضات

برز كوشنر وويتكوف كمبعوثين رئيسيين في مفاوضات إيرانية، إلا أن لقاءهما في جنيف أواخر فبراير لم يرافقهما خبراء نوويون أمريكيون. تم طرد عدد من الخبراء النوويين، من بينهم نيت سوانسون، الذي ساهم في تنفيذ اتفاقية إيران النووية عام 2015، قبل أن يُستبعد من العملية للعودة إلى مركز أبحاث في المجلس الأطلسي.

انتقد دبلوماسي أوروبي كبير عدم قدرة الفريق الأمريكي على فهم عتبات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، ما اضطر الأوروبيين إلى شرح الأساسيات. وفي 28 فبراير، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، متابعةً ذلك بإحاطات صحفية أظهر فيها ويتكوف أخطاء فنية في وصف جهاز الطرد المركزي الإيراني “AR‑6”.

المنظمات المحافظة داخل وزارة الخارجية

نشطت مجموعة “بن فرانكلين فيلوشيب” التي أسست عام 2024 لتحديد وتعزيز وجود المحافظين داخل الوزارة، مدعومة بمنحة 100 ألف دولار من مؤسسة “هيريتيج” التي صممت “مشروع 2025”. تضم المجموعة الآن نحو 95 عضوًا، من بينهم نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو، وتعمل على تجنيد أعضاء في الجامعات وتقديم استشارات لإدارة ترامب بشأن الدبلوماسيين المحترفين الذين تعتبرهم معارضين.

انتقد 18 سفيرًا سابقًا ترقيات سريعة لأعضاء المجموعة إلى مناصب عليا قبل ذوي الخبرة، فيما نفى المتحدث باسم الوزارة أن توظيفات الوزارة تُحدد بناءً على الانتماءات أو الحصص الديموغرافية.

ردود الفعل الدولية على أسلوب ترامب

اعتمدت بعض الدول، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، على نهج الصمت كاستراتيجية لتفادي تصعيد التوترات بعد تهديد ترامب بإبادة إيران. وصفت هذه الطريقة بأنها “طريقة ميركل”، إشارة إلى استجابة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل للتهديدات بصورة هادئة. من جهتها، انتقدت أستراليا ونيوزيلندا تصريحات ترامب، بينما اختارت اليابان الصمت.

قال تاكيشي إيوايا، النائب في الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني، إن تصريحات ترامب المتقلبة دفعت اليابان إلى التوقف عن الرد على كل تصريح لتفادي إشعال ردود فعل غير ضرورية.

خلاصة

يُظهر التحليل أن عهد ترامب الثاني شهد تراجعًا كبيرًا في البنية الدبلوماسية الأمريكية، من شغور السفارات إلى اعتماد القنوات غير الرسمية، إضافة إلى استبعاد الدبلوماسيين المحترفين واستبدالهم بمُعينين سياسيًا. هذا التحول أثّر على قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الدولية وأجبر الحلفاء على إعادة تقييم أساليب التواصل مع واشنطن.

للنشر و الاعلان