٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأربعاء، 20 مايو 2026
الرياض +15°C
عندما يتحول الإنسان إلى مجرد صدى لضجيجه
كتاب و آراء

عندما يتحول الإنسان إلى مجرد صدى لضجيجه

مايو 19, 2026 عبد العزيز المرزوق

ليس كل حضور يعادل أثرًا، ولا كل صوت يحمل قيمة. فبعض الناس يقضون حياتهم معتقدين أن كثرة الكلام مرادف للحياة، وأن الظهور المستمر إنجاز، وأن تكرار الذات نصر على النسيان. لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أنهم يتحولون تدريجيًا إلى نسخة باهتة من ضجيجهم فقط، دون أن يكون لكل ما يفعلونه معنى.

زمن مزدحم بالأصوات، لكن القيمة نادرة

نعيش في عصر يفيض بالأصوات، لكن القليلين يملكون فكرة تستحق البقاء. الكثيرون يتحدثون، يعلقون، يهاجمون، يفسرون، ويتصدرون المشهد في كل قضية، ومع ذلك يظلون فارغين من أي مشروع حقيقي. ولذلك يستهلكون أنفسهم في صناعة الضجيج، لأنهم لا يملكون ما هو أعمق منه. المشكلة ليست في الكلام بحد ذاته، بل حين يصبح الكلام بديلًا عن الفعل، وتتحول الحياة إلى استعراض دائم لإقناع الآخرين بأهمية الشخص وعدم استغنائهم عنه.

الخوف من الغياب يولد معارك وهمية

بعض البشر لا يحتملون فكرة أن تمر الأيام دون وجودهم في الواجهة، فيختلقون المعارك، ويبالغون في ردود أفعالهم، وينقلون الأحاديث، ويصنعون القصص الصغيرة، فقط ليشعروا أنهم لا يزالون مرئيين. ومع الوقت، يفقد الإنسان نفسه دون أن ينتبه. يصبح أسيرًا للصورة التي رسمها للناس، لا لما هو عليه في الحقيقة. يتحدث كثيرًا حتى يرهق روحه، ويطارد انتباه الآخرين حتى يخسر احترامه الداخلي، ويعيش قلقًا دائمًا من أن يهدأ المشهد فينساه الجميع.

الضجيج لا يستهلك صاحبه فحسب، بل يرهق المجتمع أيضًا

حين تتحول المجالس والمنصات إلى ساحات للقيل والقال، وتتراجع الفكرة لصالح الإثارة، يصبح الوعي هشًا، وتتسم العلاقات بالسطحية، ويعتاد الناس على استهلاك الأخبار بدل صناعة الإنجازات. فالضجيج المستمر لا يبني إنسانًا، ولا يصنع ثقافة، ولا يخلق أثرًا حقيقيًا، بل يسرق الوقت والطاقة ويزرع التوتر والفراغ.

الأشخاص الحقيقيون لا يصنعون ضجيجًا، بل يصنعون معنى

أما الأشخاص الحقيقيون فهم مختلفون تمامًا. هؤلاء لا يصنعون الضجيج، بل يصنعون المعنى. وجودهم لا يحتاج إلى استعراض، لأن أثرهم يسبق أسماءهم. لا يستهلكون طاقتهم في مراقبة الناس، ونقل الأخبار، أو إثبات أنفسهم كل صباح، لأن الإنسان الواثق لا يعيش في معركة إثبات مستمرة. لقد بات ضروريًا أن يراجع الإنسان علاقته بالصوت الذي يملأ حياته: هل يعيش ليُرى فقط، أم ليترك أثرًا يستحق البقاء؟ وهل أصبح اهتمامه منصبًا على صورته أمام الناس أكثر من جوهره الحقيقي؟

ربما نحتاج اليوم إلى شجاعة مختلفة، شجاعة الهدوء. أن نتعلم متى نتجاوز، ومتى نصمت، ومتى نتوقف عن استنزاف أعمارنا في ملاحقة كل جدل عابر. أن ننشغل ببناء ذواتنا أكثر من مراقبة الآخرين، وأن نستثمر وقتنا في فكرة، أو موهبة، أو مشروع، بدل إضاعته في معارك صغيرة لا تضيف شيئًا. الحلول الحقيقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن القيمة لا تُصنع بالصوت المرتفع، بل بالأثر العميق. حين يتوقف عن تحويل حياته إلى مسرح للفت الانتباه، ويعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن هوس الظهور المستمر. حين يختار العلاقات الصادقة لا العلاقات القائمة على التسلية والثرثرة، ويؤمن أن الهدوء ليس ضعفًا، بل نضج يعرف متى يتحدث ومتى يتجاوز.

الحياة أقصر من أن نقضيها ونحن نحاول أن نبدو مهمين. الأهم أن نكون حقيقيين. أن نعيش بسلام داخلي، لا بتصفيق عابر. أن نصنع شيئًا يبقى، لا ضجيجًا يختفي بمجرد أن يظهر ضجيج أعلى منه. وفي النهاية، الناس لا تتذكر أكثر من أمرين: من أضاف لحياتها معنى، ومن أتعبها بالضجيج.