عاجل
٢٩ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 15 يوليو 2026
الرياض +13°C

كيف يَظهر الجسد أثرَ المشاعر على صحّتنا

02/07/2026 03:01

ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها شدة حزنها في حادثة الإفك، قائلة: «بكيت ليلتين ويومًا، حتى ظننت أن البكاء سيُقَلِّب كبدي». هذا الوصف يربط بين الانفعالات القوية والكبد، وهو ما كان شائعًا في التراث العربي حين ارتبط الحزن بأمراض الكبد. وقد عبّر الشاعر “مجنون ليلى” عن ذلك بقوله: «ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبداً ليست بذات قروح»، في إشارة إلى الألم العميق الذي يشعر به الإنسان.

العلاقة بين الكبد والعواطف في الطب الإسلامي

في الطب الإسلامي التقليدي، كان يُنظر إلى الكبد كالمخزن للصفرة، وكان يُعتقد أن المشاعر الحادة مثل الغضب أو الحزن تُؤثِّر مباشرةً في حرارة الكبد وتوازن الجسم. هذا المفهوم تجسَّد في ما يُعرف بـ«كبد الحزن» أو «الكبد الحزين»، أي تراكم دهون على الكبد نتيجة للضغط النفسي والقلق المستمر.

تأثير الضغوط النفسية على وظائف الكبد

الكبد، باعتباره عضوًا أساسيًا في الجسم، يتفاعل مع الحالة النفسية؛ فالإجهاد والقلق قد يرفعان مستويات إنزيمات الكبد أو يسبّبان تراكم الدهون فيه عبر زيادة هرمون الكورتيزول. رغم صحة هذه الملاحظة، فإن المشاعر لا تُخزَّن في الكبد بل تُعالج في الدماغ، لا سيما في اللوزة الدماغية والجهاز الحُصيني.

كيف يُظهر الجسد المشاعر

لا يُمكن للمرء أن يرى المشاعر وهي تنتقل داخل الجسد، إلا أن الأحاسيس تُترجم إلى ردود فعل جسدية. بعض الناس يشعرون بضغط على الأكتاف، وآخرون يصفون ألمًا في الصدر بعبارة «آه يا قلبي». هذه الأحاسيس لا تعكس موقعًا ماديًا للمشاعر، بل هي ترجمة دماغية تُرسل إشارات إلى العضلات والأعضاء.

مثلاً، عندما يتحول الحزن إلى بكاء، تُحَفِّز الدماغ عضلات الحنجرة لتُحدث «غصة» في الحلق، وهو رد فعل لا إرادي. بالمثل، الخوف قد يُسبب مغصًا في البطن؛ إذ تُفرز الأدرينالين والكورتيزول، فتُعيد الدورة الدموية بعيدًا عن الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى تشنجات سريعة.

العواقب الصحية لكبت المشاعر

الصمت لا يعني اختفاء العواطف؛ فاللسان قد يصمت لكن الدماغ والجسم يظلان يتفاعلان. عندما تُعبر المشاعر بوعي، تعود وظائف الجسم إلى وضعها الطبيعي. أما إذا استمر الكبت، فقد يبقى الجسم في حالة استنفار مستمرة، ما يُفضي إلى اضطرابات مثل ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات النوم، أو حتى آلام عضلية غير مفسَّرة.

ليس من الدقة القول إن الحزن يُخزَّن في القلب أو الخوف في المعدة؛ بل إن لهذه الأعضاء تأثيرًا جانبيًا نتيجة لتفاعلها مع الإشارات العصبية. القلق قد يُظهر نفسه بخفقان القلب أو ضيق الصدر، والخوف قد يغيّر الشهية أو يُظهر أعراض القولون العصبي. التوتر المزمن يرفع مستويات هرمونات الإجهاد، ما ينعكس على ضغط الدم، سكر الدم، جهاز المناعة، وحتى الإحساس بالألم.

كثير من الأشخاص يظنون أن مشكلتهم تكمن في عضوٍ معيّن، بينما في الواقع قد تكون جذورها ضغطًا نفسيًا لم يُعبَّر عنه. كل شعور يُحْجَب عن مخرج صحي قد يتحول إلى صداع متكرر، توتر عضلي، أو تعب عام لا يُعرَف سببه.

إذن، العبء الحقيقي لا يكمن في الشعور نفسه، بل في حجبه داخل النفس. التعبير عن الحزن عندما يستدعيه الموقف، والاعتذار عند الخطأ، واللجوء إلى المساعدة عند الحاجة، ليست مجرد تصرفات عاطفية، بل هي خطوات وقائية للجسم. لهذا قد يبدو بعض الأشخاص شاحبين رغم نتائج فحوصاتهم الطبيعية، بينما يظل آخرون في حالة جيدة رغم ظروف صعبة، لأنهم لم يسمحوا للمشاعر بأن تُصبح سجنًا داخليًا.

الخلاصة أن الجسد لا يخزّن المشاعر، لكنه يدفع ثمنها إذا لم تُعالج. لذا فإن الاعتراف بالمشاعر وتفريغها يُعَدُّ جزءًا أساسيًا من العناية بالصحة العامة.