٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأربعاء، 20 مايو 2026
الرياض +16°C

المسؤول المتصعلك: ثنائية التواضع العلني والتكبر الخفي في دوائر القرار

20/05/2026 17:09

كُتب هذا المقال بين أروقة الكلمات ولسبب ما، فهو ليس مقالاً محبباً ولا طيباً. أحياناً ترى بعض المسؤولين في المناسبات العامة يظهرون بصورة المتواضع، أو بعبارة أدق “يتظاهرون بالتواضع”، بينما نكتشف أن حياتهم في الدوائر الخاصة تختلف تماماً، وخلف ذلك الهدوء المصطنع تختبئ درجات عالية من الغرور والتعالي.

دوافع الكتابة وموضوع لا يحمل مصلحة شخصية

هناك موضوع من المواضيع التي تتبادر إلى ذهني من عدة أوجه، وعندما ألجأ إليه أكتب عليه بين أروقة، لأن الموضوع لا توجد فيه أي مصلحة شخصية أو تضارب مصالح بالنسبة لي، بل إنه يختلف عن مجال عملي وتخصصي اختلاف المشرق عن المغرب. مع ذلك تتبادر إلى ذهني، لأني برأيي فيه قيمة مضافة للوطن والاقتصاد، ولأنه نجح عالمياً، وأعتقد أنه قادر على تقديم فائدة حقيقية للبلد.

المسؤول المتواضع علناً والمتعالي خفية

إن الأمر الأول بالنسبة لي شخصياً هو أنه سيساهم في خلق وظائف ذات دخل جيد للمواطنين، ولذا فهو مرتبط بالفرص بالنسبة لي، لأن السعي لخلق فرص عمل للمواطن أعتبره شخصياً من أرقى صور العطاء للوطن.

وقبل فترة التقيَت بأحد المسؤولين في مناسبة عامة، وكان في غاية التواضع والتعالي، حتى شعرت أن التواضع يقطر من ملبسه! ودرجة تجعلك تقول: لا حظ من فعله معه، أو لا حظاً “لنا” بهذا المسؤول بهذه الصورة. وتواصلت معه بهذا الموضوع بين ثنية، والموضوع واضح أنه ليس مصلحة خاصة، ويحتاج فقط إلى نقاش وبعض الإجراءات الإدارية وتبادل أفكار، خصوصاً أنه لا يطلب دعماً مالياً ولا تكاليف، كما أن الفكرة ليست اختراعاً جديداً ولا عجيبة، بل هي مطبقة وناجحة في الخارج، وهي ما تحتاجه بعض الجوانب التنظيمية والإدارية. وفي المآل كان رد مسؤولنا “المتواضع”!

تحول المشهد بالكامل وكأني أمام شخصية أخرى، تغيرت بمدى 180 درجة، وجاءت البيروقراطية والبروتوكولات والمتطلبات والاجتماعات والعروض. لا أخي، قابلني أولاً واسمع مني، وبعد ذلك اطلب ما تشاء. وإذا أردت تحويل الموضوع إلى الجانب الأزرق فلا مانع لدينا! ولكن أن يصبح حتى لقاء المواطن أمراً بعيد المنال، فهذه هي المشكلة.

تربية الرياض وتناقضات الشخصية العامة

وتذكرت هنا المقولة: (He bows his head in public but raises his nose in private)، وترجمتها: “يخفض رأسه أمام الناس، ولكنه يرفع أنفه تكبراً خلف الأبواب المغلقة”.

المشكلة الأكبر أنه شخصياً تربى وتعرعر في الرياض، وتخرج مما تخرج غيره من مدرسة سليمان بن عبدالعزيز، حيث أن الرياض اعتدوا على مبدأ الباب المفتوح اعتداءً، أو الذهاب إلى قصر الحكم وحمل مشكلاتنا، والتحدث بين أروقة مع أميرنا وشيخنا أبو فيصل.

كان يستقبل في يومه مئات الأشخاص من مختلف فئات المجتمع، منهم المثلي ومنهم البسيط، ومنهم من لا يحسن الأسلوب ومنهم من ينتقده، وكان يستوعب الجميع ويأبى القوالب. الله يطول عمره ويمد بالصحة والعافية ويطول العمر ولا أفرجنا ولا فينا من يتذكر تلك الأيام. وكان يقول: إنه يجب أن تحول الناس والمعاملات إلى مكتبي، وأنا أطلع إلا على الملفات الكبرى. هو من فتح الأبواب المفتوحة بين الحاكم والمواطن والطبيب والعالم، وليس مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.

وحين تخرجنا من هذه المدرسة العريقة، يأتي مسؤول اليوم بفارق التشبيه، ولا أحد شخصياً عنده مقارنة بأبي فيصل. ومن الطبيعي أن يتوقع من المسؤول أن يسير على نهج قائده. أكتب الآن لسبب واضح، وإذا كان مشروع شبه جاهز في طبع عالمياً، ولا يحتاج إلى دعم حكومي كبير، فيعامل بهذه الطريقة. ومن الأفكار الإبداعية الجديدة دُفنت وأجهضت بسبب بعض المسؤولين.

مقابلة المواطن بين الأولوية والإهمال

بعض المسؤولين الجدد لا يعتبر مقابلة المواطن من أولوياته أصلاً! ويبدو أنه ربما يحتاج إلى وضع “مقابلة المواطن” ضمن مؤشرات الأداء (KPI)، حتى تنتفخ البعض إليها! مع أن النظام العام في الأساس يوجد لخدمة المواطن. وإذا لم يكن يمتلك مهارات التعامل مع المواطنين والاستماع إليهم، فربما يحتاج إلى مراجعة موقعه الوظيفي.

أما أن يكون المسؤول من النوع الذي يقول: “انظروا إلي في المناسبات العامة، أنا متواضع وطيبتي تعالي”، بينما هو في الواقع الخاص يقطر غروراً، فهذه ليست صفة تواضع، بل حالة من التمثيل.

كما تقول المقولة: (He puts on a cloak of humility but wears the crown of arrogance)، وترجمتها: “يرتدي عباءة التواضع، ولكنه يضع على رأسه تاج الغرور”. وهذا النوع، برأيي، أشد سوءاً من الشخص المغرور بصورة علنية، لأن الثاني على الأقل لا يتصعلك ولا يخدع الناس بحقيقة شخصيته.