٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأربعاء، 20 مايو 2026
الرياض +17°C

الفتوحات الإسلامية بعيون الإمبراطوريات: صراع الحضارات لا حرب الشعوب

20/05/2026 19:02

في مقاربة جديدة للفتوحات الإسلامية، يرى باحثون أن النظر إليها يجب أن يتم من منظور الصراع بين الإمبراطوريات المتقابسة (العربية/الفارسية/الرومانية)، لا من زاوية حروب دينية أو عرقية. فالجيوش العربية، وفق هذه الرؤية، لم تكن تحارب شعوباً بسيطة أو سكاناً محليين أو أتباع أديان، بل واجهت كيانات عسكرية تابعة لإمبراطوريات.

ويضرب الباحثون مثالاً بعمرو بن العاص، الذي حين توجه بجيوشه نحو مصر، كان في الحقيقة يتجه نحو منطقة تابعة للإمبراطورية الرومانية؛ فهو لم يحارب الأقباط المصريين العاديين أو أتباع المسيحية فيها، بل واجه جيوش الإمبراطورية الرومانية المتموضعة في مصر. وعليه، فإن تعامل المصريين والأقباط مع جيوش عمرو بن العاص لم يكن بوصفها “غزاة جدد”، بل نظروا إليها بوصفها قوة جديدة يمكن أن تكون النسخة الأولى من القوة القديمة التابعة للإمبراطورية الرومانية.

الإمبراطوريات من روما القديمة إلى الأمم المتحدة

في كتاب “الإمبراطوريات: منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية”، يتحدث الباحث الأميركي في العلوم السياسية (فريد مونكا) في حديثه عن الفرق الجيوبوليتيكي بين الإمبراطورية والدولة: “ليس لدى أي إمبراطورية استعمارية موقف حاد إزاء القوم التي تنتمي إلى مجال نفوذها. وبناءً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبرة بدرجة على عدم الاعتراف بحق هذه القوم في التدخل في شؤونها بحكم ضمني لتدخلها. هذا الموقف الحاد موجود فقط في إطار نظام عالمي يتميز بنموذج الدول ذات السيادة”.

العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا التصنيف حاسم جداً لفهم الفتوحات الإسلامية. التوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى ليس استثناءً بل شرط بناء عالمي يعد مجالاً مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية. التوسع الجغرافي في منطق الإمبراطورية لا يهدف إلى نظر أخلاقي مبسط، بل إن التوسع في العصور القديمة كان—أحياناً—ضرورة بيولوجية لحماية الأطراف، أو منع صعود الممالك والقوى التي تتعامل مع بدأ الحدود تتعرض للمعارف والتفكير.

الحدود في عصر الإمبراطوريات

هذا يطرح سؤالاً ساذجاً: لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟ لكن في الحقيقة يُسأل سؤالاً حديثاً غير صالح للمجتمعات الحديثة ليسقط موازين الحاضر في عالم لا يعرف أصلاً فكرة الحدود السياسية الثابتة. الجيوش الإسلامية عندما تحركت تجاه الشام كانت تواجه: حاميات وجيوشاً لنظام ضريب وإدارة إمبراطورية قائمة، أو أن السكان المحليين لم ينظروا للجيوش الإسلامية بوصفها غزاة غرباء، بل قوة جديدة قد تحررهم من الهيمنة السابقة، بعلم أن الجيوش العربية لم تواجه مقاومة شعبية كما نعرفه في المجتمعات الحديثة.

الفتوحات الإسلامية كانت مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، لكنها تختلف عن بنية الإمبراطوريات (الرومانية/الفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية. الفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة لسبل الاهتمام بها دينياً وعروياً، العربي وغير العربي، وفي النهاية—نظرياً—أن يصبح جزءاً من الأمة نفسها. كانت الأهداف الرئيسية هي نشر العقيدة الدينية الجديدة، وما تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية مجرد نتائج تحققت بالتبعية.

وكانت الإمبراطورية الإسلامية فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منتجاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزيجاً ثقافياً فريداً ترك إرثاً حضارياً وشبكات معرفة واسعة، شاركت فيها شعوب ذات أصول ثقافية وعروبية مختلفة.

الفتوحات الإسلامية لا يمكن فهمها بأدوات وعلم الاجتماع المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة دولية حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي محكوم بمنطق الإمبراطورية الذي كان التوسع والهيمنة جزءاً من طبيعته وتكوينه.