في الآونة الأخيرة، لفت نظري تتابع رحيل جيل لن يكرره الزمن، وأعني بذلك الجيل الذي عايش حقبتين مختلفتين في كل شيء. وُلد وترعرع في ماضٍ تسوده البساطة، وأيامه كانت تمر ببطءٍ وهدوء، لم يسمع بالإنترنت ولا بوسائل التواصل. أحدهم يستيقظ مبكراً لكسب قوت يومه، والزوج وزوجته يساندان بعضهما ويكافحان لأجل الأسرة ومستقبلها، والجار يعرف جيرانه ويؤثرهم على نفسه ويتقاسم معهم قوت أهل بيته.
بساطة الماضي وقيم لا تُقدّر بثمن
كانت الموارد محدودة لكن الفرح والسرور يملآن صدور أبناء ذلك الجيل، الذين لم يتعلم كثير منهم في المدارس، لكنه تميز بالحكمة والوعي وحسن التصرف والتعامل، والصدق والوفاء والأمانة وتحمل المسؤولية، والتمسك بالقيم والأخلاق بصورة لا مثيل لها.
مواكبة التغيرات من العزلة إلى العصر الحديث
ثم بعد ذلك عايش مرحلة التغيرات والتطورات المتتابعة، من انتشار السيارات والمدارس والمستشفيات والكهرباء، وما تبعها من تلفاز وتكييف وهاتف ونحو ذلك، وصولاً للعصر الحديث الذي نعيش معطياته. هذه المراحل التي عاشها جيل الأمس أكسبته خبرة ودروساً وصفات انعكست على شخصيته وتفكيره، وهذا الأمر لم يتسنَّ للذين سبقوه ولا للذين أتوا من بعده؛ لذلك هو جيل فريد مختلف.
نظرة متحيزة قد تخفي الحقيقة
قد ينظر البعض إلى أحد أفراده بأنه غير مثقف أو لم يتعلم على مقاعد الدراسة كثيراً، لكن لو تأمل واقعه وسلوكه لوجده متحضراً ومتقدماً على من ينتقده؛ مثلاً يقود سيارته بهدوء، ويحترم قواعد المرور، ويهتم بنظافة المكان، ويحترم الصغير والكبير، ولا تغره الماديات التي أثرت كثيراً على أبناء جيل اليوم.
رحيلهم خسارة للرابط الأسري والاجتماعي
ما أود الوصول إليه أن رحيل أحد أفراد جيل الماضي له أثر كبير؛ لكون وجوده يمثل رمزية مهمة لمعانٍ كثيرة تفتقد بموته، منها أن الأسرة والأقارب والجيران يجتمعون في منزله، ما يعني أنه يشكل رابطاً أسرياً واجتماعياً في حياته. فرحم الله من رحل، وأطال في عمر من بقي.
عايض الميلبي






