عاجل
١٥ صفر ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 31 يوليو 2026
الرياض +15°C

فسيفساء نادرة لإله النهر تتحول إلى أيقونة سياحية في مدينة أسبندوس الأثرية

31/07/2026 12:23

اكتشفت بعثة تنقيب تركية لوحة فسيفساء فريدة من نوعها تجسد إله النهر “يوريميدون الفتي” في مدينة أسبندوس الأثرية بولاية أنطاليا جنوبي البلاد، لتصبح من أبرز المعالم الجاذبة للزوار والباحثين نظراً لقيمتها الفنية والتاريخية الاستثنائية.

تفاصيل اللوحة النادرة

تعتبر هذه اللوحة من أندر نماذج تصوير آلهة الأنهار بتقنية الفسيفساء في منطقة الأناضول، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي. وقد تم الكشف عنها ضمن الأعمال الجارية في موقع التنقيب، لتصبح محطة رئيسية للمهتمين بتاريخ الفن الروماني. تقع الفسيفساء في الساحة الشرقية من شارع المسرح داخل المدينة الأثرية، وتستمر أعمال التنقيب في إطار مشروع “إرث للمستقبل” الذي تشرف عليه وزارة الثقافة والسياحة التركية.

تتوسط اللوحة صورة “يوريميدون الفتي”، الذي يرمز إلى نهر يوريميدون المعروف اليوم باسم نهر كوبروجاي، والذي كان يمثل مصدر الحياة والازدهار لمدينة أسبندوس في العصور القديمة. ويظهر إله النهر متوجاً بأوراق القصب ويحمل في يده حزمة من نباتات القصب، فيما تحيط به زخارف تضم جراراً فخارية (أمفورات) وأسماكاً، إلى جانب تدرجات لونية دقيقة تعكس المستوى الرفيع الذي بلغه فنانو الفسيفساء في تلك الحقبة.

دلالات فنية وتاريخية

لا تقتصر أهمية هذه الفسيفساء على إظهار الثراء الفني الذي اشتهرت به مدينة أسبندوس فحسب، بل تقدم أيضاً نموذجاً مهماً لفن الفسيفساء في الأناضول خلال العصر الروماني، مما أسهم في زيادة الإقبال على زيارة الموقع الأثري. وأصبحت اللوحة، التي تعد من أندر الأمثلة على تصوير آلهة الأنهار بالفسيفساء في الأناضول، مقصداً رئيسياً لزوار المدينة، حيث يتوجه إليها السياح بعد الانتهاء من زيارة المسرح الروماني الشهير، فيما يواصل علماء الآثار أعمال التنظيف وتأهيل المنطقة المحيطة بها.

وصرّح رئيس حفريات مدينة أسبندوس الأثرية وعضو هيئة التدريس في جامعة أفيون قوجه تبه، الدكتور المشارك مصطفى بيلغين، لوكالة الأناضول، بأن مصادر المياه كانت تحظى بأهمية استثنائية في المدن القديمة، ولذلك أُنشئت أسبندوس على ضفاف نهر يوريميدون. وأوضح أن سكان المدينة كانوا يعتقدون أن النهر يجلب الخير والخصب إلى المنطقة، مضيفاً أن المدن التي كانت تقام على ضفاف الأنهار اعتادت تجسيد تلك الأنهار في هيئة آلهة ترمز إليها. أما الفسيفساء التي اكتشفوها في أرضية إحدى البرك، فقد أطلقوا عليها اسم “يوريميدون الفتي” باعتبارها تمثل إله نهر أسبندوس.

وأشار بيلغين إلى أن تصوير آلهة الأنهار كان شائعاً في المدن الواقعة على ضفاف الأنهار، لكنه كان يظهر غالباً في هيئة تماثيل أو على الوجه الخلفي للعملات المعدنية التي تمثل تلك المدن. وأضاف: “أما تصوير إله النهر في فن الفسيفساء، فهو نادر جداً. ولا نستبعد العثور على نماذج أخرى مع استمرار أعمال التنقيب”. وأوضح أن آلهة الأنهار في المدن الأخرى كانت تجسد عادة في هيئة رجال متقدمين في السن، بينما اختار فنانو أسبندوس تصوير إله النهر في هيئة شاب يتمتع بالحيوية والطاقة، في إشارة إلى القوة التي منح بها النهر المدينة الحياة والازدهار، وهو ما يمنح هذه اللوحة أهمية خاصة.

تقنية التصنيع المتقدمة

وأوضح بيلغين أن البناء الذي عثر فيه على الفسيفساء، ويبلغ طوله نحو 7.5 أمتار، يتكون من لوحتين رئيسيتين. وأشار إلى أن اللوحة الجنوبية يغلب عليها الطابع الهندسي، بينما تضم اللوحة الشمالية الزخارف التصويرية، وفي مقدمتها صورة إله النهر. وأضاف أن الإطار الخارجي للفسيفساء يتكون من مكعبات حجرية صغيرة تعرف باسم “التيسيرا”، ويلاحظ أن حجم هذه المكعبات يتناقص تدريجياً كلما اقتربت من مركز اللوحة.

ولفت بيلغين إلى أن فريق التنقيب اكتشف أن المكعبات المستخدمة في تشكيل صورة إله النهر لم تصنع من الحجر كما هو معتاد، بل من عجينة الزجاج، وهو ما وصفه بأنه اكتشاف مهم من الناحية الفنية. وقال: “يبدو أن الفنانين استخدموا عجينة الزجاج لإضفاء عمق لوني أكبر على الشكل، وهو ما يظهر بوضوح في أوراق القصب التي يحملها إله النهر، وفي التدرجات اللونية الغنية لملابسه”. وأضاف أن تفاصيل الوجه والجسد، والتاج المصنوع من القصب، تكشف عن تنوع كبير في درجات اللونين الأخضر والأحمر، إلى جانب تدرجات لون البشرة، وهو ما يعكس المهارة الفنية العالية التي تمتع بها صناع الفسيفساء في أسبندوس وحرصهم على إنتاج عمل استثنائي يليق بالمدينة.

إقبال الزوار على الموقع

وأشار بيلغين إلى أن اللوحة تحظى بإقبال كبير من الزوار، موضحاً أن أول سؤال يطرحه معظم القادمين إلى الموقع هو “أين توجد الفسيفساء؟”، قبل أن يتوجهوا مباشرة لمشاهدتها والتأمل في تفاصيلها الفنية.