عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

نحو نظام متكامل للعمل عن بُعد في السعودية.. المرونة بين المكاسب والتحديات

02/07/2026 03:00

أثبتت جائحة كورونا أن العديد من المهام الوظيفية يمكن أن تؤدى بكفاءة عالية دون الحاجة إلى التواجد اليومي في مقر العمل، حيث ساهمت الاجتماعات الافتراضية في تقليص أيام السفر والانتدابات إلى حد كبير، فضلاً عن تخفيف الأعباء المالية والنفسية والاجتماعية على الموظفين. وفي المملكة العربية السعودية، التي تشهد قفزات نوعية في قطاع العمل بالتزامن مع الطفرة الرقمية الهائلة، يرى مراقبون أن الفرصة سانحة اليوم لبلورة إطار تنظيمي فعلي ومتكامل للعمل عن بُعد. من شأن هذا الإطار أن يسهم في تنظيم أوقات الدوام، وتقليص ساعات التنقل، وإعادة تشكيل العلاقة بين الموظف ومكان العمل، كما يساعد في سد الفجوة التنظيمية بين الوظائف التي تتيح خيار المرونة وتلك التي تستلزم طبيعتها الحضور الشخصي المستمر.

المرونة تعزز الإنتاجية وتحد من التدوير الوظيفي

تشير الإحصاءات المتاحة إلى أن أنماط العمل المرنة ترفع مستويات الإنتاجية وتحد من ظاهرة التدوير الوظيفي. ففي استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب الأميركي، أفاد نحو 70% من الموظفين بأن المرونة في العمل تزيد شعورهم بالاستقرار من خلال تنظيم الوقت بشكل أفضل، وتجنب مشقة التنقل اليومي، وتحقيق توازن أكثر فعالية بين الالتزامات المهنية والراحة الشخصية والاجتماعية. غير أن هذا النمط لا يخلو من تحديات خفية، يأتي في مقدمتها تلاشي الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والمهنية، الأمر الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى شعور الموظف بالعزلة عن بيئة العمل الحيوية التي تمدّه بالخبرة وتتيح له تراكم المعرفة عبر الاحتكاك المباشر والتفاعل المستمر مع الزملاء.

تمكين حقيقي للمرأة وذوي الهمم

يبرز العمل عن بُعد بوصفه وسيلة تمكين حقيقية للمرأة العاملة، ولا سيما المتزوجة منها، إذ يخفف من حدة الأعباء المرتبطة بالتوفيق بين الالتزامات الأسرية ورعاية الأطفال من جهة والطموح المهني من جهة أخرى، خاصة في وظائف القطاع الخاص التي تمتد لساعات متأخرة. تمتد هذه الفوائد أيضاً لتشمل فئات أخرى كذوي الهمم وكبار السن وسكان المدن البعيدة، حيث يسهم العمل عن بُعد في تقليل استنزاف الوقت والطاقة والتنقل، كما يساعد في تخفيف الاختناقات المرورية وتحسين جودة الحياة بشكل عام.

فجوة المرونة بين الوظائف المكتبية والميدانية

لكن هذه الصورة الإيجابية تظل ناقصة، إذ يقتصر العمل المرن غالباً على الوظائف المكتبية والإدارية، بينما يظل العاملون الذين يتطلب عملهم الحضور الشخصي مثل رجال الأمن والطواقم الصحية وعمال المصانع وغيرهم مطالبين بالدوام اليومي دون تغيير. وقد أشار تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن هذا التفاوت أسهم في ظهور ما يشبه قوة عاملة من مستويين: موظفو مكاتب يتمتعون بمزايا المرونة التي رسختها الجائحة، وملايين العاملين الميدانيين الذين بقيت ظروف عملهم شبه ثابتة، بل ويتحملون أعباء الحضور والتنقل المستمر دون مميزات تعويضية. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم المرونة العادلة كأداة لتحقيق التوازن بين الفئتين حال استحداثه، من خلال تقديم حلول قد يرى المسؤولون المختصون وجاهتها، مثل تقليص ساعات الدوام الفعلي للعاملين الميدانيين أو منحهم إجازات إضافية أو حوافز مالية تميزهم عن العاملين عن بُعد، إلى جانب توفير فرص ترقية متكافئة. في المقابل، يمكن إعادة توجيه جزء من بدلات التنقل المخصصة للموظفين عن بُعد نحو تطوير مهاراتهم أو تحسين بيئات عملهم الرقمية بما يضمن العدالة والرضا المهني للجميع.

في خلاصة الأمر، تظل عدالة توزيع المرونة هي المعيار الحقيقي في زمن التحول الرقمي المعاصر لعالم الأعمال، وعندئذ فقط تصبح المرونة أداة لرفع جودة الحياة والعمل معاً، لا خطاً فاصلاً يقسم سوق العمل بين من يملكون حرية الاختيار ومن يتطلب عملهم نموذجاً واحداً بلا مزايا.