عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مشروع الأمير محمد بن سلمان: إعادة تعريف الدولة والمجتمع والإنسان

03/08/2026 01:02

يشكل تجديد الهوية الوطنية مدخلاً أساسياً في فكر ومشروع سمو الأمير محمد بن سلمان، إلا أنه ليس سوى الخطوة الأولى ضمن مسار أوسع يقوم على إعادة بناء الدولة والمجتمع والفرد والمستقبل في آن واحد. وتتميز هذه المقاربة عن خطط الإصلاح التقليدية التي تفصل الاقتصاد عن الثقافة، والإدارة عن المجتمع، وتتعامل مع الحاضر دون مراجعة سردية الماضي أو تصور المستقبل. أما المشروع السعودي فينطلق كرؤية متكاملة، إذ لا يمكن للدولة أن تتغير فعلياً إذا ظل المجتمع خارج دائرة التحول، ولا يمكن للمجتمع أن ينهض إذا بقي الفرد أسير الخوف من الجديد، ولا يُبنى المستقبل إذا ظل الحاضر خاضعاً لأدوات الماضي.

على جبهة الماضي والمستقبل

من ثم يصعب حصر ميادين عمل سمو الأمير من أجل وطنه، ويمكن إرجاعها إلى أبعاد زمنية فلسفية. فهو يشتغل على جبهة الماضي ليس من منطلق القطيعة أو الهدم، بل لاستعادته من حالة الاختزال التي طالته، وتصحيح رواياته، وإعادة صياغة الذاكرة، وربط حاضر الدولة بجذورها العميقة. ويأتي يوم التأسيس نموذجاً على ذلك، إذ أعاد للوعي العام إدراك الامتداد التاريخي الصحيح للدولة السعودية، وذلك غيض من فيض. وتتكشف خلف هذه الأعمال فلسفة تقول: “إن الأمة التي لا تملك روايتها عن نفسها، سيكتب الآخرون لها رواية لا تشبهها”.

أما جبهة المستقبل فتمثلها رؤية السعودية 2030، التي تتجاوز كونها برنامجاً اقتصادياً بسيطاً إلى إعادة ترتيب علاقة السعوديين بالوقت. فقد انتقل المستقبل عبر هذه الرؤية من حيز الانتظار والتمني إلى ميدان التخطيط والقياس والمساءلة، مع تخصيص أهداف زمنية ومؤشرات أداء ومشروعات ومؤسسات وأشخاص مسؤولين عن تحقيقها. وبذلك لم تعد الثروة النفطية أو المالية الضمان الوحيد للمستقبل، بل أصبح الإنسان والمعرفة والتقنية والكفاءة وتنوع الاقتصاد روافد رئيسية له. وهذا تحول في العقلية السعودية قبل أن يكون تحولاً في الأرقام.

إعادة هندسة الدولة والمجتمع

أما جبهة الحاضر فهي الأكثر اتساعاً وازدحاماً، إذ تواجه مقاومة العادات القديمة ومصالح البيروقراطية وجمود المألوف والتخوف الاجتماعي من التحول. وقد شهدت هذه الجبهة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الحكومة وتوسيع مشاركة المرأة واستثمار طاقات الشباب وتطهير مراكز الفساد، وفتحت أبواب الثقافة والفنون والترفيه والسياحة والرياضة على نطاق واسع، وتغيرت معايير المدن والخدمات وجودة الحياة. ولا يجمع هذه المسارات مجرد التحديث، بل إعادة تعريف الدور الجديد للدولة: من جهاز يدير الموجود إلى جهاز قادر على صناعة المستحيل.

لقد غيّر سمو الأمير محمد بن سلمان نظرة الدولة إلى قدراتها وحدود أفعالها، إذ انتقلت من الاطمئنان إلى ما تملكه إلى قلق منتج حول ما ينبغي أن تصنعه، ومن إدارة الوفرة إلى بناء القوة، ومن بطء الإجراءات إلى ثقافة الإنجاز. كما أعاد للقرار السياسي معناه بوصفه أداة لصناعة المستقبل لا مجرد مواجهة للواقع. ولم تتخلَّ الدولة عن ثوابتها، بل جمعت بين الثبات في الأهداف والمرونة في اختيار الوسائل.

وفي المجتمع، أعاد سمو الأمير ترتيب منظومة التقدير الاجتماعي، فلم يعد الانغلاق فضيلة بحد ذاته، ولا قاوم الجديد دليلاً على الأصالة، ولا تعطيل الحياة العامة مرادفاً للاستقامة. وهكذا يستعيد المجتمع طبيعته السعودية المتوازنة: متديناً دون اختطاف، ومعتزاً بتراثه دون انغلاق، ومنفتحاً على العالم دون ذوبان. كما تحول التنوع من حقيقة صامتة إلى مورد وطني مرئي، حيث أصبحت المناطق واللهجات والفنون والأزياء والمطابخ المحلية أجزاءً أساسية من المتن السعودي الواسع، لا مجرد هوامش على الحكاية.

الفرد والأفق الممكن

أما التغيير الأبعد أثراً فيتمثل في الفرد السعودي، إذ رفع سمو الأمير سقف توقعات المواطن من نفسه وليس من الدولة فقط. فبعض الوعي الاجتماعي القديم كان يرى الدولة فاعلاً كاملاً والفرد متلقياً ينتظر ما تُسنده إليه الدولة من فرص أو نصيب. إلا أن اليوم أصبحت مصطلحات المبادرة والريادة والكفاءة والمنافسة وصناعة الفرص في صميم الوعي العام. ولم يعد السؤال “ماذا ستقدم لنا الدولة؟” هو الوحيد، بل أضيف إليه سؤال أكثر نضجاً: “ماذا يمكننا أن نقدم لوطن متصاعد يطلب من أبنائه أن يصعدوا معه؟”

وأكثر من ذلك، غيّر سمو الأمير مفهوم “أفق الممكن” في المخيلة السعودية، حيث أصبحت مشروعات وأفكار كانت تبدو بعيدة أو مؤجلة أو غير قابلة للتحقيق موضع نقاش وتخطيط وتنفيذ. ومع تغير تعريف الممكن تتغير إرادة الإنسان ومعايير المجتمع وطموحات الدولة. فالتحولات الكبرى لا تبدأ بمجرد تشييد المباني أو إصدار الأنظمة، بل تبدأ حين يتوقف الناس عن النظر إلى واقعهم بوصفه قدراً نهائياً غير قابل للمراجعة.

بهذا غيّر سمو الأمير علاقة السعوديين بتاريخهم، إذ تحول التاريخ من قيد يعيق الحركة إلى مصدر ثقة يعزز الانطلاق، وغيّر علاقتهم بالحاضر فصار ميداناً للعمل بدلاً من زمن الانتظار، وغيّر علاقتهم بالمستقبل فأصبح مشروعاً يُبنى جماعياً لا مستقبلاً مجهولاً يترقبون. وتعيد هذه الأزمنة الثلاثة بناء الإنسان السعودي ليكون أوثق صلة بهويته، وأرفع ثقة بدولته، وأقوى إحساساً بمسؤوليته، وأكثر جرأة على الحلم والعمل.

وفي الختام، تتمثل خلاصة مشروع الأمير محمد بن سلمان، حامل الحلم السعودي، في الإجابة عن سؤال “ماذا غيّر فينا؟” بأنه أيقظ في المواطنين القدرة على التغيير، وجعلهم يرون وطنهم على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها.