على الرغم من النمو المتسارع في اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات السعودية، لا تزال الهواجس الأمنية تهيمن على تفكير المسؤولين؛ فقد كشفت دراسة حديثة أجرتها شركة كاسبرسكي أن 80% من هذه المؤسسات تشعر بالقلق إزاء المخاطر المرتبطة باستخدام تلك التقنيات، في وقت أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من الأنشطة اليومية في شتى القطاعات.
الدراسة استعرضتها الشركة خلال مؤتمرها السنوي أسبوع الأمن السيبراني المخصص لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا (ميتا)، وجاءت بعد استطلاع شمل 1800 من صناع القرار وخبراء تقنية المعلومات والأمن السيبراني في 18 دولة، بهدف قياس مدى تبني الذكاء الاصطناعي والتحديات الأمنية المصاحبة.
أظهرت النتائج أن 57% من المشاركين في المملكة يوصون باعتماد حلول تتضمن مزايا مدمجة للذكاء الاصطناعي، في حين لا تتجاوز نسبة الذين يفضلون تجنب هذه الأدوات 3%، وهو مؤشر على تزايد الاعتماد على التقنية كأساس لتحسين الإنتاجية ورفع كفاءة الأعمال.
استخدامات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات
أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في مختلف الوظائف المؤسسية، حيث يُستخدم في تحليل البيانات وعرضها بصرياً بنسبة 57%، وإنشاء النصوص وتحريرها بنسبة 50%، وإدارة المشاريع بنسبة 45%، والمهام التخصصية داخل الإدارات المختلفة بنسبة 34%، إضافة إلى البحث عن المعلومات بنسبة 33%.
مخاطر سيبرانية متزايدة
رغم هذه المكاسب، تكشف الدراسة عن اتساع رقعة القلق من المخاطر السيبرانية، إذ أفادت 96% من المؤسسات السعودية بأنها تعرضت لحوادث أمنية إلكترونية خلال العام الماضي، في حين أوضحت 16% منها أن هذه الحوادث كانت مرتبطة مباشرة بثغرات أمنية في تطبيقات أو أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
كما يرى 74% من المشاركين أن وعي الموظفين والتزامهم بالإجراءات الأمنية يمثلان العامل الأهم في الحد من هذه المخاطر، مما يعزز أهمية الاستثمار في التدريب والتوعية بالتزامن مع التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تحذيرات من هجمات متطورة
وفي حديث لصحيفة الرياض، أكد المدير العام لشركة كاسبرسكي في السعودية والبحرين محمد هاشم أن الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولاً جذرياً في مشهد الأمن السيبراني، موضحاً أن المهاجمين أصبحوا يستخدمون هذه التقنيات لأتمتة عمليات الاستطلاع، وتنفيذ حملات تصيد احتيالي أكثر تطوراً، وإنتاج محتوى مزيف باستخدام تقنيات التزييف العميق، إضافة إلى تطوير البرمجيات الخبيثة بشكل أسرع وأكثر استهدافاً.
وأضاف هاشم أن الذكاء الاصطناعي، بالمقابل، أصبح أداة رئيسية للمؤسسات لتعزيز قدراتها الدفاعية، من خلال تسريع اكتشاف التهديدات، وأتمتة الاستجابة للحوادث، وتخفيف الأعباء التشغيلية على محللي الأمن السيبراني، مما يتيح لفرق الأمن التركيز على المخاطر ذات الأولوية.
وأشار إلى أن التحديات لم تعد محصورة في أدوات الذكاء الاصطناعي التقليدية، بل امتدت إلى ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، القادرين على التخطيط وتنفيذ المهام واستخدام التطبيقات وواجهات البرمجة بشكل مستقل، وهو ما يضيف طبقة جديدة من المخاطر مع حصول هؤلاء الوكلاء على صلاحيات الوصول إلى الأنظمة والبيانات المؤسسية.
وكشف أن كاسبرسكي رصدت خلال عام 2026 أكثر من 92 ألف هجوم إلكتروني ينتحل هوية خدمات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أكثر من 15 ألف عينة من البرمجيات الخبيثة التي تنكرت في صورة تطبيقات أو أدوات للذكاء الاصطناعي الوكيل، شملت برمجيات طروادة وبرامج تجسس وأبواباً خلفية للاختراق.
وأوضح أن الاعتماد المتزايد على مكونات خارجية مفتوحة المصدر، وواجهات برمجة التطبيقات، والخدمات السحابية، في بناء منظومات الذكاء الاصطناعي، أوجد تحديات جديدة في أمن سلسلة التوريد الرقمية، إذ قد يؤدي اختراق أحد هذه المكونات إلى التأثير في عدد كبير من المؤسسات المعتمدة عليه.
وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين الحلول التقنية المتقدمة، والسياسات التنظيمية الواضحة، ورفع مستوى الوعي الأمني لدى الموظفين، إلى جانب تطوير قدرات استخبارات التهديدات لرصد أساليب الهجوم الجديدة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقال براندون مولر، كبير مستشاري الأمن لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا لدى كاسبرسكي، إن سرعة تبني المؤسسات للذكاء الاصطناعي يجب أن يقابلها مستوى مماثل من الجاهزية الأمنية، مشيراً إلى أن التهديدات لم تعد مقتصرة على البرمجيات الخبيثة التقليدية، بل تشمل أيضاً تطبيقات مزيفة تنتحل هوية أدوات الذكاء الاصطناعي، وثغرات ناتجة عن البرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مخاطر تسريب بيانات الاعتماد الخاصة بالمنصات المؤسسية.
وأوصت كاسبرسكي المؤسسات بوضع سياسات داخلية واضحة لتنظيم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والحد من مشاركة البيانات الحساسة مع الخدمات الخارجية، إلى جانب الاستثمار في حلول الأمن السيبراني المتقدمة، وتوسيع برامج التوعية والتدريب لرفع جاهزية الموظفين في مواجهة التهديدات المتنامية.






