عاجل
٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
الرياض +23°C

البراك: المملكة لم تعد مجرد مستخدم للتقنية بل شريك في رسم مستقبلها

تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مكانتها كواحدة من أكثر أسواق الاتصالات تقدماً في المنطقة، وسط تسارع وتيرة التحول الرقمي وانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، إلى جانب الطلب المتزايد على بنية تحتية مرنة تدعم الاقتصاد الرقمي. وفي حديثه لـ«الرياض»، يرى عبدالعزيز البراك، نائب الرئيس ومدير الحساب الرئيسي لشركة إريكسون في السعودية، أن المملكة لم تعد مجرد سوق تستهلك التقنيات الجديدة، بل أصبحت تساهم في تحديد كيفية استخدامها وتطويرها مستقبلاً. ويستعرض البراك التحولات التي تشهدها شبكات الجيل الخامس، ودور الذكاء الاصطناعي في أتمتة الشبكات، وأهمية الشراكات المحلية في توطين التقنية وتنمية الكفاءات الوطنية.

من التبني إلى المشاركة في التطوير

يقول البراك إن المملكة ليست غريبة عن تبني التكنولوجيا الجديدة، مشيراً إلى أن إريكسون تفتخر بأن أول شبكة جوال في العالم انطلقت من السعودية. ويضيف: «على الرغم من أننا شركة سويدية، فقد أطلقنا الجيل الأول من الاتصالات في السعودية، لذا فإن تبني التكنولوجيا الجديدة ليس جديداً على المملكة». لكن ما تغير الآن، بحسب البراك، هو أن السعودية لم تعد مجرد دولة تتبنى التكنولوجيا المطورة في أماكن أخرى، بل أصبحت ترسم شكل التكنولوجيا المقبلة وطريقة استخدامها. ويؤكد: «بما أننا نريد التقدم على أوروبا التي تصنع كثيراً من هذه التكنولوجيا، فقد أصبحت المملكة تساهم في تشكيل كيفية استخدام هذه التكنولوجيا مستقبلاً».

الجيل الخامس محرك للاقتصاد الرقمي

يشير البراك إلى أن السعودية كانت من أوائل الدول التي أطلقت الجيل الخامس في نهاية عام 2019، معتبراً أن سبع سنوات في عالم التكنولوجيا فترة طويلة جداً، وما حدث خلالها كان مهماً للغاية. ويوضح أن جاهزية الشبكة والبنية التحتية أصبحت أساسية لتحويل الشبكة من مجرد وسيلة اتصال إلى ركيزة ومحرك للاقتصاد الرقمي. ويضيف: «في الماضي، كان الاتصال بين شخص وشخص، أما اليوم فأصبح الاتصال بين قطاع وقطاع، ويمكنك التواصل مع قطاعات حكومية وإنجاز خدماتك من خلالها بدلاً من التعامل المباشر مع شخص». ويرى أن المحور الأساسي في المرحلة المقبلة هو تمكين جميع استخدامات الاقتصاد الرقمي، مما يتطلب شبكة جاهزة وقادرة على تمكين هذه الخدمات دون تدخل بشري.

شراكات محلية وتوطين التقنية

يعمل البراك في إريكسون منذ نحو نصف قرن، ويقول إن الشركة لا تنظر فقط إلى السنوات الخمس المقبلة، بل إلى الخمسين سنة المقبلة. ويضرب مثالاً بالشراكة مع «إس تي سي»، التي لا تقتصر على تمكين التكنولوجيا، بل تشمل طموحاً كبيراً للتحول الرقمي في السعودية والمنطقة. ويؤكد أن هذا النوع من التحول لا يتحقق إلا من خلال شراكة مع شركة تملك تاريخاً وخبرة مثل إريكسون.

وفيما يتعلق بالأتمتة، يوضح البراك أن الأتمتة ليست جديدة، لكن تطبيقها باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح أسرع بكثير. ويشرح: «في السابق، كان العقل البشري محدوداً بالخبرة، فعندما يعرف المهندس مشكلة معينة، يبني أتمتة لمعالجتها. أما اليوم، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يتوقع ما هو غير متوقع بطريقة لا تحتاج إلى تدخل بشري مباشر. نحن نسمي ذلك ’شبكة من دون لمس‘ (Zero Touch Network)». ويضيف أن العنصر البشري هو أضعف نقطة في الأتمتة، لأن العملية تعتمد على شخص واحد وخبرته، بينما الذكاء الاصطناعي يمكنه الاستفادة من خبرات سنوات طويلة وكم كبير من المعلومات، مما ينقل الأتمتة إلى مستوى جديد من التنبؤ والتعامل مع المشكلات دون تدخل بشري مستمر.

الشبكات المفتوحة بين المرونة والحيوية

يتحدث البراك عن الشبكات المفتوحة (Open RAN)، مشيراً إلى أن إريكسون جزء من هذا التوجه الذي يهدف إلى أنظمة مفتوحة تتيح مشاركة أكبر بين شركات متعددة. لكنه يحذر من أن شبكات الاتصالات ليست خدمة عادية، بل هي بنية تحتية حيوية مثل الكهرباء أو الماء، ولا يوجد هامش التسامح نفسه الموجود في الخدمات الرقمية العادية. ويقول: «إذا دخلت إلى موقع مثل ’أمازون‘ ووجدته لا يعمل، فهذه مشكلة يمكن التعامل معها لاحقاً، لكن إذا انقطعت الكهرباء أو شبكة الاتصالات، فهذه مشكلة كبيرة». ويضيف أن شركات مثل إريكسون موجودة في أكثر من 180 دولة، مما يوفر خبرات وحجم إنتاج كبيرين تغطي احتياجات الأسواق المختلفة، ولا يمكن في شبكة حيوية الاعتماد بالكامل على شركة متخصصة في نقطة واحدة، لأن ذلك سيخلق اعتماداً كبيراً عليها.

تطوير الكفاءات وتوطين التقنية أولوية

يشدد البراك على أن جزءاً أساسياً من وجود إريكسون في السعودية هو تطوير القدرات البشرية، ليس فقط للعمل لدى إريكسون، بل مع جميع مشغلي الاتصالات، لأن تطوير الخبرة والمعرفة مطلب أساسي للسوق ككل. ويذكر برامج انتداب مع «إس تي سي»، حيث يأتي موظفون منها للعمل مع إريكسون واكتساب الخبرة، ويذهب آخرون للتدريب في المقر الرئيسي ومراكز البحث والتطوير. كما يذكر اتفاقية مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في مجال تطوير التكنولوجيا، أسفرت عن تسجيل براءات اختراع مشتركة.

ويقول البراك: «إذا سألت شخصاً يعمل في قطاع التكنولوجيا اليوم، فقد يقول لك إن الهدف هو أن نبيع أكثر وأن نمكّن أكثر. لكنني أعتقد أن ما سيترك أثراً حقيقياً هو أن تتوطن التقنية». ويشير إلى أن 60% من القوة العاملة في إريكسون السعودية هم سعوديون، وهناك نسبة كبيرة من بقية العاملين لديهم إقامة مميزة، مما يعكس توجه الشركة نحو توطين التقنية وليس مجرد بيعها والمغادرة. ويختتم: «بالنسبة إلى المستقبل، فإن تطوير الكفاءات السعودية وتوطين التقنية يمثلان جزءاً أساسياً من دور إريكسون في المملكة، إلى جانب استمرار الشراكة مع المشغلين والمؤسسات والمساهمة في بناء منظومة الاقتصاد الرقمي الأوسع».