خلفية الجدل
تُعَدّ مفاهيم الحدّ والقدّارة—التي تُستخدم غالباً دون تفصيل—مصدرًا للخلط والتضارب في الفهم، خصوصاً عندما تُقتبس معانيها من محاور ناطقة بالحالة. وجاء هذا في مرحلة تاريخية معاصرة، بدأت من الغرب، حيث اندلعت جدالات وصراعات حول مكان العلم والحكمة بين ما يُدعى بـ«حداثة» و«قدامة»، فالمتقدمين في هذا السياق يُصنّفون أنفسهم كفلاسفة تقليديين أو فلاسفة سيرورة لا زالوا في مرحلة اكتشافهم لهذه الظاهرة. وقد أدت تحولات كبرى إلى تغيير ملامح التاريخ الأوروبي، وجعلت الحدّافة تحمل داخلها القدّارة، ما دفعها إلى نشوء معارك متقلبة، فهذه الظاهرة ليست حتمية لجميع الأمم أو الأزمنة، لكنها شاعت وتقبلت على نحو عام.
وجهة نظر العطّاس
لم يكتب العطّاس كتاباً مخصصاً للحداثة، لكنه نشر عدة مؤلفات تناقش واقع العلم والمسلمين، وعلومهم، ومسارات عملهم في ظل الهيمنة الغربية، ما جعل الحدّافة تُحاط بمشاريعه. إنّ تعريف الحدّافة عند العطّاس مستمد من التحولات الأوروبية التي تُعدّ مرحلة التنوير، ويشمل ذلك كل ما نشأ من الرؤية الكونية الغربية مع كل تعارضاتها وتناقضاتها، مما يضمن إدراج الليبرالية والماركسية ضمن نطاقها.
يُعَدّ النقد الذي يقدمه العطّاس للحداثة—المعروفة بالعلمانية—مستنبطاً من الرؤية الكونية، وقد نُشر في أربع مقالات تقريباً. يتضمن هذا النقد تشخيصاً للنظم القائمة، وتحديداً لحالة الإخلال في بنية أو توظيفها، مع خطة لإصلاحها أو ترقيتها، أو حتى استبدالها بما يُحسِّن الوضع. يُظهر العطّاس رؤية للحداثة كتشخيص أولي للرؤية الكونية الغربية بالمقارنة مع الرؤية الإسلامية في أصل خلق الإنسان وميثاقه مع الله سبحانه وتعالى.
وجهة نظر حلّاق
يُعَدّ وائل حلّاق أن الحدّافة هي رؤية شيطانية لا تنطلق من الرؤية الكونية، بل من رؤية نقدية تستخدم أدوات معرفية ماركسيّة، وتغفل الماركسيّة نفسها مع إيلاء نظرة للأخلاق من منظور فوكوي، حيث يتم تجسيد القيم في أشكال النظم، ومن ثمّ يسعى لإزالة قياس الليبرالية الحديثة عبر معيار «القوة بيد من؟».
تُظهر هذه النظرة نقصاً في فهم بنية النظم، وتعبئاً للفراغ الميتافيزيقي بمفاهيم مبهمة عن القيم والأخلاق، ما يتيح لجهات حركية في العالم الإسلامي أو غيره اعتماد النظام المقترح أو نقد النظام القائم لتحقيق مصالح محددة، وتعبئته بما يتناسب مع شعارات معينة. كما أن حلّاق لا يفرق بين الحدّافة وما قبلها في نظام فاصل حاد، بل يحدد فوارق النظم بمدى ارتباطها بالأسس الميتافيزيقية التي خلقتها، وبالتالي يخلط بين فصل الدنيا والآخرة وبين تضاد العلمانية.
مقارنة الأدوات والمنهجيات
يُستخدم العطّاس مزيجاً من الأدوات المنهجية الأكاديمية الدقيقة، بما في ذلك اللسانيات والدلالات، بالإضافة إلى أدوات تراثية وحداثية، مع أسلوبه الخاص. بينما يركز حلّاق على أدوات معرفية ماركسيّة أو ذات خلفية ماركسية، ويستند إلى فوكو، وشميت، وكون، وهي أدوات أكثرها ما بعد حداثية، وتظهر في مفارقة ومساواة بين الحدّافة وما بعد الحدّافة بين تيارين: الليبرالية الرأسمالية والماركسية.
خلاصة
يُظهر الجدال بين العطّاس وحلّاق تبايناً واضحاً في أساساتهم الميتافيزيقية: العطّاس يستند إلى الأساس الإيماني الإسلامي، بينما حلّاق يستند إلى الأخلاق الفوكويّة التي تُحوّل إلى معايير قوة. يُظهر العطّاس عدلاً كحكمة تتعلق بالعلاقة بين الإنسان وكل شيء، بينما يُظهر حلّاق عدلاً كقوة متكافئة بين إنسان وإنسان، أو كقيمة تتخلل الخطاب. في نهاية المطاف، يظل كل منهما يقدمان نقداً للحداثة يختلفان في الأسس والمنهجيات والأهداف، ما يضيف عمقاً للنقاش حول دور الحدّافة في العالم المعاصر.






