٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 22 مايو 2026
الرياض +19°C

تسارع الثقافة إلى النسيان: كيف تغيرت الذاكرة الثقافية في عصر العروض السريعة

22/05/2026 09:01

تعدّ تحولاً خطيراً في المشهد الثقافي اليوم أنه أصبح كل شيء مؤقتاً: الكتب، الأفكار، الضجة، وحتى الإعجاب نفسه.

في السابق، كانت بعض الكتب تُقرأ لعقود، وتُعاش بين الأجيال ككائن حي. أما الآن، فقد تُولد وتُنقش بعض الأعمال في الأسبوع ذاته، ثم تختفي تماماً وكأنها لم تكن موجودة على الإطلاق. لم تعد المشكلة في قلة الإنتاج، بل في سرعة النسيان والتعاقب المتتالي، مع تكرار الأفكار والبحث عن الإثارة.

نعيش زمناً تُستهلك فيه الثقافة كما تُستهلك المقاطع القصيرة، مع شيء جديد كل يوم، دون وقت كافٍ للتأمل أو الفهم أو حتى التذكر. يختبر كثير من الكُتاب شعوراً بالضغط على ضرورة ملاحقة السوق الثقافي، بدلاً من بناء مشروع طويل ينشر ويُحكى ويتنقل من فكرة لأخرى بسرعة، خوفاً من أن يختفي اسمه من المشهد للحظة.

لكن الثقافة الحقيقية لا تُبنى بهذه العجلة؛ الفكرة العميقة تحتاج وقتاً حتى تستقر داخل الناس، والكتاب الحقيقي غالباً لا يلمع فوراً، بل يكبر ببطء داخل الوعي. من المؤلم أن تُصنع بعض الأعمال اليوم وفقاً لمنطق القابلية للانتشار بدلاً من القابلية للبقاء.

سؤال الجدل والتداول

كيف نصنع جملة قابلة للاقتباس؟ كيف نثير الجدل؟ كيف نحصل على تداول أكبر؟ بينما يبقى السؤال الأهم مفقوداً: هل سيبقى هذا العمل حيّاً بعد سنوات؟

الذاكرة الثقافية القصيرة لم تُغيّر فقط شكل التلقي، بل غيّرت شكل الإنتاج نفسه. أصبح بعض الكُتاب يكتبون وهم يفكرون في ردّة الفعل الفورية، لا في الأثر البعيد. وأصبح بعض المشاريع الثقافية تُدار بعقلية «الموسم»، لا بعقلية البناء التراكمي الذي يحتاج سنوات حتى يصنع قيمته الحقيقية.

أثر التسارع على القارئ والثقافة

أصبح القارئ نفسه أسيراً لهذا الإيقاع السريع، ينتقل من كتاب إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، وحتى من قضية إلى غيرها، دون أن يمنح أي تجربة وقتها الكامل كي تنضج داخله. بذلك أصبحنا نعرف معلومات أكثر، لكننا نفهم أقل.

نستهلك أفكاراً كثيرة، لكن القليل منها يترك أثرًا حقيقيًا في وعينا. الأذى الأكبر هو أن هذا التسارع خلق وهمًا ثقافيًا جديدًا؛ وهم الحضور المستمر. بعض الأسماء تظن أنها مؤثرة ما دامت حاضرة يوميًا، بينما لا يُقاس التأثير الحقيقي بكثرة الظهور، بل بقدرة الفكرة على البقاء بعد غياب صاحبها.

الكتب القديمة والمناقشات الدائمة

المعروف أن بعض الكتب القديمة ما زالت تُناقش حتى اليوم لأن أصحابها لم يكتبوا لملء الفراغ المؤقت، بل كتبوا أسئلة الإنسان الكبرى: الخوف، السلطة، الحب، الهوية، العدالة، العزلة، معنى الحياة. أما كثير من الخطاب السريع اليوم فيعيش داخل لحظته فقط، ولذلك يشيخ بسرعة هائلة.

ساهمت المنصات الرقمية في تعميق هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة. فالخوارزميات لا تكافئ دائماً، بل الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه السريع. مع مرور الوقت، بدأت الثقافة نفسها تنجرف نحو العناوين الصادمة، والأفكار السريعة، والحرص دائم على إنتاج مادة قابلة للتداول السريع أكثر من كونها قابلة للبقاء. قضية اليوم تُنسى غدًا، والجدل الذي يملأ المنصات يختفي بمجرد ظهور ضجة جديدة، وكأن الذاكرة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بأي سؤال لفترة طويلة.

الذاكرة الثقافية كمخزون معرفي

المشكلة الأعمق تكمن في المجتمعات التي تفقد ذاكرتها الثقافية، التي تصبح أكثر قابلية للتكرار، وتعيد أخطاءها وتستهلك القضايا نفسها. تدور داخل الضجيج ذاته لأنها لا تبني تراكمًا معرفيًا حقيقيًا؛ فالثقافة ليست مجرد إنتاج مستمر، بل ذاكرة ممتدة. حين تضيع هذه الذاكرة، يتحول كل جيل إلى بداية مرتبكة لا يعرف ما الذي قيل قبلها، ولا ما الذي يجب أن يُبنى عليه.

لذلك لا يكفي أن نطالب الناس بالقراءة فقط، بل يجب أن نعيد علاقتنا بالمعرفة نفسها، وأن نقرأ ببطء أحيانًا، وأن نمنح الأفكار وقتًا كي تعيش داخلنا، لا أن نمر عليها مرورًا سريعًا. نحتاج أيضًا إلى إعادة الاعتبار للمشاريع الطويلة، لا للنجاحات اللحظية فقط، وإلى كاتب يبني تجربته بصبر، لا بمنطق الحضور اليومي القلق، وإلى مؤسسات ثقافية تدعم الأعمال التي تملك قيمة بعيدة المدى، لا تلك التي تصنع ضجة مؤقتة وتنطفئ.

كما يجب أن يتصالح الخطاب الثقافي مع العمق مجددًا، لا مع الاستهلاك السريع. ليس كل ما ينتشر يبقى، وليس كل ما يلمع يصنع أثرًا. الذاكرة الثقافية الطويلة لا تُبنى بالكثرة وحدها، بل بالأعمال التي تستحق العودة إليها مرة أخرى. تلك الأعمال التي لا تنتهي بانتهاء قراءتها، بل تبدأ داخل الإنسان بعد الصفحة الأخيرة، وربما لهذا السبب تبقى بعض الكتب حيّة لعشرات السنين، بينما تموت آلاف النصوص فور انتهاء التصفيق.