انطلقت الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة لهذا العام في أول يوم اثنين من الشهر الهجري، الموافق 1/12/1447 هـ، وفق ما أعلنته المحكمة العليا في المملكة العربية السعودية. وقد تلا ذلك الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من الشهر، ثم أتى عيد الأضحى في اليوم العاشر، وهو ما يحدد مواعيد أهم المناسبات الدينية لهذا الشهر المبارك.
مكانة شهر ذي الحجة بين الأشهر الحُرم
يُعدّ ذي الحجة من الأشهر الحُرم التي تشمل رجب، والشهرين القاضي والحرام، إضافة إلى المحرم. ويُعَدّ هذا الشهر هو الأكثر تميزاً بين هذه الأشهر، إذ يتضمن أهم مناسك الحج، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً. ويُعَدّ يوم عرفة الركن الأعظم من حج عرفة، كما يُجرى فيه نطق بسنّة الأضحية، وتُستقبل فيه العشرة الأولى من ذي الحجة التي يُستحب فيها الإكثار من الأعمال الصالحة.
الآيات القرآنية التي تُبرز فضل العشرة الأولى
يستشهد العلماء بآيات سورة الفجر التي تبدأ بقول الله تعالى: «وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ» (الآيتان 1-2) لتبيّن أن العشرة المباركة من الأيام تُعَدّ من أفضل الفترات للعبادة والتقرب إلى الله. وتُشير هذه الآيات إلى أن هذه الأيام تشمل يوم التروية، ويوم عرفة حتى غروب شمسها، وليلة الوقوف بالمشعر الحرام في مزدلفة، ومبيت الحجاج فيها حتى طلوع الفجر، وكذلك جمع ورمي الجمرات.
تفصيل مناسك الرمي والعقبة في أيام العشر الأولى
في اليوم الأول من العشر الأولى يُرمي الحجاج جمرة العقبة الكبرى في إحرامهم، وهو ما يُعرف بيوم النحر، ثم يُتاح لهم الاختيار بين ثلاثة أفعال: حلق الرأس أو التقصير، ونحر الفداء، وطواف الإفاضة. ولا يُسمح بأي خلاف في هذا الاختيار بعد رمي جمرة العقبة. بعد ذلك، يبدأ الحجاج في رمي جمرات التشريق الثلاثة، حيث تُرمي كل مجموعة من سبع جمرات بعد زوال الشمس، وتُستكمل في أيام التشريق الثلاثة. وتستكمل هذه المراحل يوم عيد الأضحى، ويوم القِر، ويوم الحج الأكبر، إلى جانب أيام التشريق التي تُكمل ثلاثة عشرة يوماً من الأيام المباركة في شهر ذي الحجة.
الاستفادة من أيام العشر الأولى وفق تعاليم النبي ﷺ
يُؤكّد أهل العلم أن أيام العشر الأولى من ذي الحجة هي من أفضل أيام الدنيا، وقد ورد في حديث شريف للنبي محمد ﷺ قوله: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام». ولا يقتصر الحديث على ثواب الأعمال فحسب، إنما يضيف بُعداً من المحبة الإلهية إلى هذه الأيام، ما يجعلها موسمًا ليس فقط لتضاعف الأجر، بل لتجسيد محبة الله للعبادات وأهل الطاعة. ولم يُحدّث النبي ﷺ عملًا معينًا، بل أشار إلى «العمل الصالح» شمولاً، مما يفتح باب العبادة لكل ما فيها من صلاة، وصوم، وقراءة القرآن، وصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الخلق، وغيرها من سبل الإحسان.
إنّ هذه الكلمات تذكّر المسلم بأن الهدف ليس مجرد جمع الحسنات، بل السعي لأن يكون عمله محبّاً إلى الله، مستنداً إلى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» و«وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ». وهنا يتجلى الفرق بين العشر الأواخر من رمضان، التي تُركز على ليلة القدر، وبين العشر الأولى من ذي الحجة، التي تتضمن يوم عرفة، وعيد الأضحى، وتُظهر أعمق معاني القرب والمحبة إلى ربنا.
ختاماً، تُعرب المملكة العربية السعودية عن أطيب التمنيات للبلاد والقيادة الرشيدة، سائلًا المولى عز وجل أن يوفقها في خدمة حجٍّ ميمون وضيوف الرحمن، وأن يجعلها مثالًا للنجاح والتوفيق.






