٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الخميس، 21 مايو 2026
الرياض +23°C

فنانون تشكيليون يجسدون روحانية الحج ومشاهده الخالدة بأعمال بصرية مبتكرة

21/05/2026 05:02

“وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ”. منذ قرون، ظلت فريضة الحج، بمهابتها الروحية وحشودها المليونية، نبع إلهام لا ينضب للفنانين التشكيليين عبر العصور. لقد تحولت رحلة الروح إلى أول بيت وضع للناس بمكة المكرمة من مجرد شعيرة دينية إلى لغة بصرية عالمية، تتجاوز حدود الجغرافيا لتعبر عن وحدة الإنسان وذوبان الفوارق الطبقية والعرقية أمام الخالق.

الاستشراق يوثق مشقة الحج وقداسته

في الفن الكلاسيكي والاستشراقي، وثقت الفرشاة الغربية والشرقية مشقة الرحلة وقداستها بشغف بالغ. وتُعد لوحة “حجاج في طريقهم إلى مكة” التي رُسمت عام 1861م للفنان الفرنسي ليون بيلي تحفة فنية خالدة في فن الاستشراق. تُجسد تلك اللوحة الضخمة قوافل الحجاج وهي تعبر الصحراء القاحلة، حيث يبرز التآخي والتلاحم بين مختلف الأجناس في مسيرهم المشترك نحو الكعبة، لتعكس قدرة الفن على التقاط جوهر الفريضة. وفي هذا السياق، يهتم متحف المكتين بجمع وحفظ وعرض صور الحرم ومكة في المخطوطات والصور الأولية.

التشكيل السعودي: أبعاد روحية وتجريبية

أما في المشهد التشكيلي السعودي، فقد اتخذ التعبير عن الحج أبعاداً روحية ومفاهيمية وتجريبية مبتكرة، تنطلق من معايشة حقيقية وجوار روحي للمكان. ولا تكاد تخلو تجارب فنان سعودي من أعمال عبّرت عن الحج والبيت الحرام، من أعمال خالد الفيصل، عبدالحليم رضوي، محمد السليم، الشلتي، طه صبان، ضياء، عبدالله حمّاس، محمد الأعجم، محمد سيام، عبدالله نواوي، سمير الدهام، وغيرهم، بدءاً من جيل الرواد وصولاً إلى جيل فناني اليوم.

من أبرز تلك التجارب، فلسفة الجذب عند أحمد ماطر؛ ففي عمله المفاهيمي الشهير “مغناطيسية” يختزل ماطر مشهد الطواف بعبقرية، حيث تُمثل الكعبة بمغناطيس مكعب أسود يجذب حوله برادة الحديد. يعكس العمل فلسفة الجذب الروحي والمساواة التامة، وكأن الحجاج طاقة موحدة تدور في فلك اليقين.

أما جداريات محمد الرباط، فهد خليف، ونهار مرزوق، فقد وثّقوا رحلة الحج في جداريات ضخمة، منها ما امتدت لـ 36 متراً في مطار الملك عبدالعزيز بجدة للرباط. دمجت الجدارية بين قوافل الحجاج قديماً والميناء القديم، وصولاً إلى الحرم المكي، في تمازج ساحر يوثق الذاكرة المكانية والروحانية.

وفي الانطباعية التعبيرية الهادئة لمحمد الأعجم، عبر لوحته “بيت الله الحرام” يصور الكعبة المشرفة محاطة بالملائكة والطائفين بأسلوب يعكس روعة المشهد، معتمداً على تفاصيل دقيقة وألوان هادئة تبرز سكينة المكان وجماله الأزلي.

أما أيمن يسري فقد اتجه في مقاربة حديثة إلى استخدام قماش الإحرام ذاته كخامة أساسية للوحاته، ووظف التكرار الهندسي لتجسيد حركة تنقل الحجاج حول الكعبة والمشاعر المقدسة، مما يخلق تمازجاً فريداً بين المادة والعبادة. وله أيضاً تجربة بعنوان “كنا جميعاً أخوة”، وهي مقولة للمناضل الأمريكي ماركو مكس.

ختاماً، لم يكن الحج في عيون التشكيليين يوماً مجرد توثيق لحدث موسمي، بل هو قراءة بصرية عميقة لفلسفة روحانية فيها تسليم مطلق لله. وسواء أكان ذلك بفرشاة مستشرق كلاسيكي أم برؤية فنان سعودي معاصر، يظل الحج والبيت الحرام ومكة المكرمة بصورها مصدر إلهام لعظماء الفنانين والإنسانية الخالدة، تٌبدع أعمالاً فنية خالدة حية تتجدد معانيها عند كل حاج ومع كل سعي وطواف.

– فنان وأكاديمي سعودي