٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الخميس، 21 مايو 2026
الرياض +23°C

غرينلاند تتصدر المشهد الدبلوماسي بين واشنطن وبروكسل في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية

21/05/2026 13:02

تتصاعد في الآونة الأخيرة المنافسة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول جزيرة غرينلاند، التي تُعدّ الأكبر من حيث المساحة والأغنى بالموارد الطبيعية والمعادن النادرة. وقد تراجعت الإدارة الأمريكية عن التهديد الصريح بالاستيلاد عليها بالقوة، لكنها لا تزال تسعى لتوسيع نفوذها عبر مسارات سياسية وتجارية متعددة.

التحرك الأوروبي وتعزيز التعاون مع غرينلاند

أفادت تقارير أعدتها هيئة الدراسات الاستراتيجية في الاتحاد الأوروبي، والتي قُدمت إلى المفوضية الأوروبية والمجلس في أواخر الشهر الماضي، أن الدبلوماسية الأوروبية بدأت تعمل بوتيرة مكثفة لتعزيز التعاون مع غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك. وجدت هذه الجهود أن الجزيرة تمثل نقطة استراتيجية هامة بفضل مخزونها الضخم من المواد الأولية والطاقة وموقعها الجغرافي.

في هذا الإطار، قاد مفوض الشراكات الدولية للاتحاد الأوروبي، جوزيف سيكيلا، زيارة إلى الجزيرة للمشاركة في منتدى دولي تنظمه الدنمارك بالتعاون مع المفوضية، يهدف إلى استعراض فرص الاستثمار الكبرى في غرينلاند. وتزامن ذلك مع زيارة الموفد الأمريكي الخاص جيف لاندري وافتتاح قنصلية أمريكية جديدة على الأرض.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عن مضاعفة حجم مساعداته المالية إلى غرينلاند، بحيث وصلت إلى نصف إجمالي المساعدات المخصصة للمناطق التابعة للاتحاد خارج أوروبا. وقد أعرب الاتحاد عن استعداده لتخصيص موارد مالية إضافية ردًا على ما وصفه “تهديدات الإدارة الأمريكية بالاستحواذ على الجزيرة”.

المفاوضات الأمريكية حول القواعد العسكرية والحقوق الاقتصادية

في الوقت نفسه، تجري الولايات المتحدة مفاوضات مع الحكومة المحلية الدنماركية حول إنشاء ثلاثة قواعد عسكرية جديدة في غرينلاند، بالإضافة إلى القاعدة القائمة منذ بداية الحرب الباردة. وتطلب واشنطن سيادة كاملة على الأراضي التي ستُبنى عليها القواعد، إضافة إلى حق “الفيتو” على الاستثمارات الصينية والروسية في الجزيرة، فضلاً عن طلب معاملة تفضيلية في استغلال مواردها الطبيعية.

التوقعات الأوروبية بشأن تصعيد الملف

يخشى المسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن يتحول ملف غرينلاند إلى أحد أكثر الملفات حرارة في العلاقات مع واشنطن، خاصة بعد أن تراجعت الإدارة الأمريكية عن التهديد العسكري لكنها كثفت جهودها السياسية والتجارية لتوسيع نفوذها. وصرّح مسؤول أوروبي: “أوضحت واشنطن أنها لن تدخر جهداً لبسط سيطرتها على الجزيرة، وهذا يمثل هجوماً مباشراً على أوروبا، ولا نعرف بعد كيف سيكون الرد إذا تحقق ذلك”.

يُشير خبراء الاتحاد إلى أن غرينلاند أصبحت مسرحًا رئيسيًا للمنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأنها ستشكل في المستقبل القريب التحدي الأكبر أمام الجهود الأوروبية لتعزيز القدرات العسكرية المشتركة كقوة رادعة ضد أي هجوم خارجي.

تاريخ العلاقة بين غرينلاند والاتحاد الأوروبي

منذ انضمام الدنمارك إلى السوق الأوروبية المشتركة في عام 1973، ظلت غرينلاند موضوعًا هامشياً في الأجندة الأوروبية، مماثلة للجزر والأراضي النائية الأخرى التابعة لأعضاء الاتحاد. غير أن عام 1985 شهد خروج الجزيرة من النادي الأوروبي بعد استفتاء نتيجة سياسات الصيد البحري التي أتاحتها الاتحاد، ما أدى إلى فتح مياهها الإقليمية أمام أساطيل الدول الأعضاء وشعورها بفقدان السيطرة على مواردها.

مع تصاعد النزاع الجيوسياسي حول القطب المتجمد الشمالي وتدخل الولايات المتحدة والصين وروسيا في المنطقة، أعادت أوروبا توجيه اهتمامها السياسي والاستراتيجي نحو غرينلاند، خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي التي وصفت الجزيرة بأنها حيوية لأمن الولايات المتحدة القومي.

أصبح للجزيرة الآن وزن استراتيجي مباشر بالنسبة للدنمارك والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حتى أن بعض المراقبين أشاروا مؤخرًا إلى مفهوم “أوروبة غرينلاند”.

الزيارات الأوروبية المتتابعة والآفاق المستقبلية

تجسد الزيارة الحالية للمفوض الأوروبي إلى غرينلاند، برفقة عشرات السفراء ورجال الأعمال وممثلي الشركات الكبرى، التحول الواضح للجزيرة إلى بند رئيسي في الأجندة الدبلوماسية الأوروبية. وقد زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجزيرة في مطلع الصيف الماضي، تلاه زيارة رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين التي أجرىها بعد انتخاب دونالد ترمب لولاية ثانية.

ومن المتوقع أن تعود فون دير لاين للزيارة مرة أخرى قبل نهاية العام، حاملةً حزمة من المساعدات ومشروعات استثمارية طموحة، وفقًا لمصدر في المفوضية.

يحذر دبلوماسي أوروبي مخضرم، يتابع ملف غرينلاند منذ بداياته، من تحول الجزيرة إلى ورقة استراتيجية في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. ويرى أن على الأوروبيين تركيز جهودهم على جعل العلاقة مع غرينلاند أكثر جذبًا عبر توسيع فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي، خاصةً مع تحول القطب الشمالي إلى ساحة اقتصادية وجيوسياسية يتنافس عليها الدول الكبرى.

ويضيف الدبلوماسي أن تراجع المظلة الدفاعية الأمريكية عن أوروبا، إلى جانب تنامي الاهتمام الصيني والروسي بالقطب الشمالي وموارده، يدفع الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة جذرية لعلاقته مع غرينلاند ومضاعفة استثماراته فيها.