عاجل
١٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 2 أغسطس 2026
الرياض +13°C

ظلال بشرية تتشكل على أبواب جامع ديفريغي في تركيا.. لغز معماري يجذب الزوار

في ولاية سيواس وسط تركيا، لا تقتصر روعة جامع ديفريغي الكبير ودار الشفاء التاريخيين على عمارتهما السلجوقية الفريدة، بل تمتد إلى ظاهرة بصرية استثنائية تجعل الحجارة تبدو وكأنها تنبض بالحياة. إذ ترتسم على أبوابهما ظلال تشبه أشخاصاً يؤدون الصلاة أو يقرأون القرآن في أوقات محددة من السنة، نتيجة التفاعل الدقيق بين أشعة الشمس والزخارف الحجرية البارزة.

ظاهرة الظلال البشرية على الأبواب

تتجلى إحدى أكثر الظواهر إثارة في أبواب المبنى، حيث تظهر خلال أشهر محددة من السنة وفي ساعات معينة من النهار ظلال بشرية يُعتقد أنها نتجت عن التصميم الهندسي الدقيق للزخارف الحجرية. ففي باب الجنة، يظهر خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب قرابة الساعة السابعة صباحاً ظل يشبه امرأة تؤدي الصلاة. بينما يتشكل على الباب الغربي (باب التاج) وقت صلاة العصر ظل لرجل يبدو في البداية وكأنه يقرأ القرآن، ثم يظهر في هيئة مصلٍّ. كما يظهر على باب الشاه ما يُعتقد أنه ملامح وجه أحمد شاه باني الجامع، فيما يتشكل على باب دار الشفاء ظل يُوصف بأنه لرجل غارق في التفكير.

ولهذا يحرص كثير من الزوار على تنسيق زياراتهم مع الأوقات التي تظهر فيها هذه الظلال، ولا سيما خلال فترة العصر. وأوضح المرشد المتطوع في جامع ديفريغي الكبير ودار الشفاء مصطفى يلدريم أن سائحاً يابانياً كان أول من لاحظ ظاهرة الظلال البشرية عام 2005، إذ رصد على الباب الغربي ظل رجل بدا كأنه يقرأ القرآن ويؤدي الصلاة، قبل اكتشاف الظلال الأخرى التي تظهر على بقية الأبواب.

روعة العمارة السلجوقية والزخارف الحجرية

يعد المجمع المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي أحد أبرز روائع العمارة الإسلامية في الأناضول، حتى إن باحثين أوروبيين أطلقوا عليه لقب “حمراء الأناضول” تشبيهاً له بقصر الحمراء في مدينة غرناطة الإسبانية، لما يتميز به من ثراء زخرفي وإبداع معماري. وشُيّد الجامع عام 1228 بأمر من أحمد شاه نجل حاكم إمارة منغوجك التركمانية سليمان شاه، فيما أنشأت الأميرة مليكة طوران ملك ابنة بهرام شاه دار الشفاء الملاصقة له في العام نفسه، ليشكلا معاً مجمعاً معمارياً فريداً يعد الوحيد من نوعه في عهد سلاجقة الأناضول الذي شيده رجل وامرأة بصورة متجاورة.

ولا تقتصر فرادة الصرح على ظاهرة الظلال، إذ تضم أبوابه آلاف الزخارف الحجرية ثلاثية الأبعاد صُممت بحيث لا يتكرر أي نقش فيها، ما يجعلها من أروع نماذج فن النحت على الحجر في العالم الإسلامي. ويمتد جامع ديفريغي الكبير على مساحة تبلغ 1280 متراً مربعاً، بينما تبلغ مساحة دار الشفاء المجاورة له 768 متراً مربعاً.

رمزية الأبواب والزخارف المستوحاة من القرآن

وقال المرشد المتطوع يلدريم إن الكلمات تعجز عن وصف هذا الصرح الذي يُعرَّف بشعار “لا تمت قبل أن تراه”. وأوضح في حديث للأناضول أن المجمع يضم أربعة أبواب رئيسية، إلا أن باب الجنة يعد أكثرها ثراء من حيث الزخارف الحجرية. وأشار إلى أن الباب يحمل عدة أسماء؛ فهو يعرف أيضاً باسم “باب القلعة” لأنه يواجه القلعة، و”الباب الشمالي” لاتجاهه نحو الشمال، كما يسمى “باب القبلة” لأن الدخول إلى الجامع كان يتم منه. وأضاف أن الخروج من الجامع كان يتم عبر الباب الغربي احتراماً للقبلة، بحيث لا يدير المصلون ظهورهم إليها عند المغادرة.

ولفت يلدريم إلى أن الباب يضم زخارف مستوحاة من عناصر ورد ذكرها في القرآن الكريم، مثل الورود والزنبق والنباتات المتسلقة وحدائق ترمز إلى الجنة، ولذلك أطلق عليه اسم “باب الجنة”. وأوضح أن الظل الذي يظهر صباحاً على هذا الباب استُلهم، وفق الرواية المتداولة، من الحديث النبوي الشريف: “الجنة تحت أقدام الأمهات”، حيث يتشكل ظل امرأة تصلي، وتظهر تفاصيل دقيقة في ملامحها، حتى رموش العين وغطاء الرأس.

وأشار يلدريم إلى أن باب الشاه صُمم بارتفاع منخفض عمداً، إذ كُتبت فوقه عبارة “الملك لله”، ليضطر الحاكم إلى الانحناء عند دخوله، في رسالة رمزية تؤكد أن الكبرياء لا يليق إلا بالله، وأن الإنسان لا ينحني إلا لخالقه. وتتميز البوابات الأربع للمجمع، وهي باب دار الشفاء والباب الشمالي والباب الغربي وباب المقصورة السلطانية، بزخارف مختلفة تماماً عن بعضها، بما يجعل كل باب تحفة فنية مستقلة تجسد ذروة الإبداع في فن النحت الحجري خلال العصر السلجوقي.

شهادات الزوار والمختصين

وأضاف يلدريم أن الزوار يعبرون باستمرار عن انبهارهم بالمكان، مستذكراً زيارة جراح أعصاب قدم من ولاية أنطاليا تأثر بالموقع إلى درجة أنه سجد باكياً داخل المجمع. وأوضح أن المعماري الذي صمم هذا الصرح هو حرّم شاه المنحدر من مدينة أهلات شرقي الأناضول، مبيناً أن هذا العمل يعد الأثر الوحيد المعروف الذي تركه. ووصف الرحالة العثماني أوليا جلبي هذا الصرح في كتابه “سياحت نامه” بقوله: “تعجز الألسنة عن وصفه، وتعجز الأقلام عن الإحاطة بجماله”. وأشار يلدريم إلى أن أوليا جلبي وصف الجامع بعد زيارته بأنه تحفة يعجز اللسان والقلم عن الإحاطة بجمالها، مضيفاً: “نحن أيضاً نقول لزوار ديفريغي: ‘لا تموتوا قبل رؤيته’ و‘بعد أن تراه نسأل الله أن يطيل عمرك، وألا تشبع من زيارته حتى تعود إليه مرة أخرى’”.