عاجل
٢٩ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 15 يوليو 2026
الرياض +13°C

تحليل تاريخي لمعنى الخلافة والملك في الإسلام وفق رواية ابن عطية

02/07/2026 07:02

يستند ما سُرد في تفسير ابن عطية إلى حادثة قرآنية، حيث قرأ أحد العرب الآية: «وتلك الأيام نداولها بين العرب». عندما عُدلت له العبارة إلى «بين الناس»، ردّ عليه: «إنا لله، لقد ذهب ملك العرب ورب الكعبة»، مشيرًا إلى أن كلمة «ندوالها» ترتبط بجذر كلمة (دولة). لم يفسّر هذا القارئ سوى أن الدولة – التي يربطها بعبادة الدين – ستنتقل من العرب إلى غيرهم، وهو ما يُستدل به على نشأة مفهوم الخلافة بعد وفاة النبي.

الخلافة في النص القرآني وتوظيفها في الفهم العربي

تظهر كلمة «خليفة» في القرآن في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: «إني جاعل في الأرض خليفة»، ما يعني أن الإنسان عمومًا هو الخليفة. بهذا المعنى يصبح كل فرد خليفة بحد ذاته، وتُستنتج أن الخلافة سابقة للدوائر السياسية والدينية. عندما فقد العرب النبي، لم يجدوا صفةً تُعطيها لخليفته سوى ما يذكرهم بمكانة تشبه النبوة، غير أن فترة الخلافة الراشدة شهدت اضطرابات وصراعات متعددة، ما أدى إلى فشل محاولاتهم لإعادة إحياء حالة ما قبل الدين أو الدولة.

منعقدة الدولة الأموية وتداخل الدين معها

عند تولي معاوية بن أبي سفيان الحكم، أرسى مفهوم الدولة الأموية حيث ارتبط الدين بلب الدولة، فكان الدين هو القلب النابض لها. ما يلفت الانتباه في رواية ابن عطية هو أن العربي استخدم تعبير «ملك العرب» دون الإشارة إلى «دولتهم»، ما يدل على أن كلمة (ملك) عند العرب لا تنفصل عن مفهوم الدولة الدينية أو مجتمع الدين. فقد كان النبي يُنظر إليه كملك وفق الفهم العربي التقليدي، ليس كملك إمبراطوري كما في الأنظمة غير العربية التي تفصل بين الدين والدولة.

النقاش حول مفهوم الملكية والسلطة في الإسلام المبكر

من منظور العرب، كان كل فرد يتنازل عن حقه في الخلافة – المستقاة من الآية – إلى النبي، فكان النبوة لحظة تشكيل المجتمع بحد ذاته. وبناءً على ذلك، فإن قول النبي لقريش: «أريد منكم كلمة (تُدين) لكم بها العرب، وتؤدي لكم الجزية العجم»، يُفهم كإشارة إلى جعل الدنيا بأسرها خاضعة لتوجيهات عربية إسلامية. وهذا يتقاطع مع قول أحد العرب في القرون الأولى من الإسلام: «لا أعرف ذنبي إلا في الجماعة»، حيث يُظهر انزعاج الجماعة إشارة إلى الخطأ، ما يعكس فكرة أن الإسلام هو دولة المجتمع أو مجتمع الدولة.

الاختلاف بين الخلافة والملك في الفكر الإسلامي

تُظهر المقالة أن كلمة (الخلافة) تدل على بناء مجتمع يطبق الشريعة تلقائيًا لكل من الحاكم والمحكوم، وتستمد معناه من مفهوم «الملك» الذي أُطلق على مقام النبوة في بداية المقالة. أما «الملك» الذي ظهر مع دولة معاوية، فكان صُنعًا لتلبية احتياجات المجتمع بعد استقرار الفهم الشرعي للمجتمع. لذا لا يمكن فهم الخلافة إلا بوجود النبي، إذ كان يُعَدّ ملكًا بمعنى نبوي، وليس مجرد خليفة. مع ذلك، أشار النبي إلى اتباع سنة الخلفاء الراشدين، ما قد يُفهم على انتقال ملكية النبوة إلى الخلفاء، غير أن خلافات داخلية أدت إلى صراعات متعددة، من غضب أبو بكر الصديق على جماعة عربية إلى مقتل ابن الخطاب على يد أجنبي، واغتيال علي بن أبي طالب.

تُظهر هذه الأحداث أن الخلافة ربما كانت مرحلة ما قبل الدين، وأن العرب لم يدركوا وجود مرحلة سابقة للدين أو الدولة، ما أدى إلى قتل كل من حاول أن يتبوأ مكانة الخليفة. إلا أن معاوية وضع حداً واضحًا بين الدين والدولة، فازدهر مفهوم الدولة ككيان مستقل، وتوسعت فكرة ملك العرب لتشمل غير العرب في العهد العباسي.

في ختام التحليل، لا يُطرح سؤال هدف الدولة على ابن الخطاب، إذ لم يكن يفرق بين الزمان والمكان ولا يطرح فكرة الدولة ككيان منفصل عن الدين. لكن معاوية أثار جدلاً عندما سُئل عن وظيفة الدولة، فأجاب بجملة مشهورة: «لكي يهاب الناس الدولة»، ما يُظهر البساطة التي سُتخدم لاحقًا لتفسير آلية عمل الدولة الإسلامية.