عاجل
السبت، 3 أكتوبر 2026٢٠ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـالرياض 19°C

حاسة التذوق: من الأربعة الأساسية إلى المذاق السادس المحتمل.. ماذا اكتشف العلماء حتى الآن؟

03/10/2026 05:01

قد تبدو حاسة التذوق بديهية: حلو، مالح، حامض، مر. لكن خلف هذه الأحاسيس البسيطة تختبئ منظومة معقدة من الخلايا والمستقبلات والإشارات العصبية. ومع اكتشاف مذاق “الأومامي” وتراكم الأدلة على قدرة الفم على رصد بعض الأحماض الدهنية، توسعت تساؤلات الباحثين حول عدد المذاقات الأساسية. فهل يكون “أوليُوغوستوس” المذاق السادس؟ ولماذا تطورت هذه القدرة أصلاً؟ هذه الأسئلة وغيرها ستكون حاضرة في فعاليات “عيد العلم” الذي يُنظَّم في فرنسا منذ 35 عاماً، واختير له هذا العام شعار “الأذواق العالمة”.

التذوق.. أكثر تعقيداً مما نظن

الذوق حاسة نعرفها منذ الطفولة، منذ أول تجربة لتناول الطعام. لكن بمجرد التعمق فيها، نكتشف صعوبة وصفها بدقة. فمزج الأطعمة يولّد إحساسات معقدة تتراوح بين المتعة والنفور. وعلى مدى عقود، كشفت الدراسات العلمية تدريجياً المزيد من أسرار هذه الحاسة. فاتضح أن التذوق لا يقتصر على المالح والحلو والمر والحامض، بل هناك مذاقات أخرى. واللسان، العضو الرئيسي في التذوق، يحمل حليمات لسانية تحتوي على براعم التذوق، وهي تراكيب مجهرية من خلايا متخصصة تستقبل الإشارات الكيميائية وتنقلها عبر الأعصاب الحسية إلى الدماغ. تحمل هذه الخلايا بروتينات خاصة تتعرف على جزيئات معينة في الطعام، وتحولها إلى إشارات عصبية، وتختلف آلية الكشف حسب المذاق.

الأومامي: المذاق الخامس المعترف به

في حين يسهل تمييز الحلو والحامض والمالح والمر، قد لا يعرف الكثيرون مذاق الأومامي. إنه المذاق الخامس المعترف به علمياً إلى جانب الأربعة التقليدية. الكلمة اليابانية تشير إلى طعم لذيذ ومستساغ يصعب وصفه بكلمات قليلة. نجده في اللحوم والطماطم الناضجة وصلصة الصويا، ويرتبط بوجود “الغلوتامات” وبعض المركبات الأخرى. الطهاة عرفوا هذا الإحساس منذ زمن طويل، لكن العالم الياباني كيكوناي إيكيدا كان أول من درسه ووصفه علمياً في بداية القرن العشرين، بعد أن عزل الغلوتامات من مرق الأعشاب البحرية اليابانية وأطلق على الإحساس اسم “أومامي”. الدراسات اللاحقة أظهرت وجود مستقبلات تشارك في كشف الأومامي في خلايا التذوق لدى الإنسان وعدد من الحيوانات، أبرزها المستقبل المركب T1R1/T1R3. ومع تراكم الأدلة النفسية والفيزيولوجية والكيميائية، ترسخ اعتبار الأومامي مذاقاً أساسياً خامساً، خصوصاً منذ ثمانينيات القرن الماضي. وكان المؤتمر الدولي الأول المخصص للأومامي، الذي عُقد في هاواي عام 1985، محطة مهمة في هذا المسار.

نحو مذاق سادس؟.. أوليُوغوستوس والدهون

منذ نحو عقدين، يدور نقاش علمي حول إضافة مذاق أساسي آخر: المذاق المرتبط بالدهون. إحساسنا بالدهون لا ينتج عن التذوق وحده، بل تشارك فيه حاسة الشم والإحساس بقوام الطعام وملمسه داخل الفم. لكن دراسات عدة أظهرت أن الفم يستطيع أيضاً الكشف كيميائياً عن بعض الأحماض الدهنية الحرة. رصد الباحثون في خلايا التذوق البشرية بروتينات تشارك في هذه العملية، من بينها CD36 وGPR120. وتشير الأدلة المتراكمة إلى وجود مكوّن ذوقي حقيقي للأحماض الدهنية، وليس مجرد إحساس بقوام الدهون أو رائحتها. في عام 2015، اقترح باحثون تسمية هذا الإحساس Oleogustus، بعد اختبار قدرة المشاركين على التمييز بين أنواع مختلفة من الأحماض الدهنية. ووجدت الدراسة أن بعض الأحماض الدهنية، خصوصاً المتوسطة والطويلة السلسلة، أحدثت إحساساً يمكن تمييزه عن المذاقات الأساسية الأخرى. لكن ذلك لا يعني حسم الأمر. فما يزال الباحثون يناقشون ما إذا كان ينبغي تصنيف هذا الإحساس كمذاق أساسي سادس، وما الآليات الدقيقة التي تقف وراءه. فالأبحاث تشير إلى مشاركة أكثر من بروتين وآلية، ولا يزال الدور الدقيق لبعض المستقبلات، مثل GPR120، موضع بحث. ويدرس العلماء أيضاً ما إذا كانت قدرة الإنسان على كشف الأحماض الدهنية تؤثر في تفضيلاته الغذائية واستهلاكه للأطعمة الغنية بالدهون، وما إذا كان لذلك دور في اضطرابات التغذية مثل السمنة. لكن العلاقة بين هذه الآليات والسمنة معقدة ولا يمكن اختزالها في عامل واحد.

التذوق والتطور: من البقاء إلى الإفراط الحديث

كما هو الحال مع البصر واللمس والسمع، ارتبطت حاسة التذوق ارتباطاً وثيقاً بتطور الكائنات الحية وتكيفها مع بيئاتها. فهي تساعد الكائن على تمييز المواد الغذائية المختلفة، وتساهم في تجنب المواد الضارة. فمثلاً، يمكن للطعم المر أن يكون إشارة تحذيرية من مركبات سامة. في المقابل، يساعد التذوق على توجيه الكائن نحو مصادر غذائية يحتاج إليها. وعند تناول أطعمة غنية بالطاقة، تنشط في الدماغ منظومات المكافأة والتحفيز، ومنها منظومة الدوبامين. السكريات من المواد التي تفعّل هذه المنظومات، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بالقيمة الغذائية والطاقة التي يوفرها الطعام. توفر السكريات والكربوهيدرات مصدراً مهماً وسريعاً نسبياً للطاقة، مما جعل القدرة على اكتشاف الأطعمة الغنية بها ذات أهمية تطورية. لكن مصادر الغذاء الغنية بالسكريات لم تكن متاحة دائماً وبالوفرة نفسها في البيئات الطبيعية، ولذلك كان على كثير من الحيوانات البحث عنها والاستفادة منها عندما تتوفر، مثل الفواكه الناضجة. أما الإنسان، فقد تغيرت بيئته الغذائية بشكل كبير مع تطور الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. وأصبح بإمكاننا اليوم الحصول على أطعمة غنية بالطاقة والسكريات بسهولة وعلى مدار العام. لكن الآليات البيولوجية الأساسية التي تؤثر في تفضيلاتنا الغذائية ما زالت موجودة. وفي بيئة غذائية تتوفر فيها الأطعمة الغنية بالطاقة بصورة مستمرة، قد تتعارض بعض هذه التفضيلات القديمة مع واقعنا الغذائي الحديث، وهو ما يدرسه العلماء في سياق السمنة واضطرابات الاستقلاب. وهذا ليس إلا وجهاً واحداً من العلاقة المعقدة بين الإنسان وحاسة التذوق، وهي علاقة تكشف، كلما تعمقنا فيها، عن تداخل البيولوجيا والتغذية والسلوك والثقافة. وهي من بين الجوانب التي تفتحها أمام الجمهور دورة هذا العام من “عيد العلم” في فرنسا تحت شعار “الأذواق العالمة”.