عاجل
السبت، 3 أكتوبر 2026٢٠ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـالرياض 19°C

مدرسة "برهان فلك" في إسطنبول.. 179 عاماً من العطاء التعليمي تروي تاريخاً حافلاً

03/10/2026 10:34

في منطقة أسكودار بمدينة إسطنبول، تقف ثانوية “برهان فلك” كواحدة من أعرق المؤسسات التعليمية في المدينة، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1847، لتحتفل هذا العام بمرور 179 عاماً على انطلاق مسيرتها التعليمية. بدأت المدرسة باسم “المدرسة المدنية الرشدية”، واستمرت في أداء رسالتها عبر عصور مختلفة، متنقلة بين أسماء ومبانٍ متعددة، حتى استقرت على هويتها الحالية.

تاريخ عريق يمتد عبر القرون

كانت المدرسة ضمن خمس مدارس رشدية (إعدادية) افتُتحت في إسطنبول بالتزامن مع إنشاء أول تنظيم رسمي لمدارس الرشدية في المدينة. وفي عام 1852، حملت اسم “مدرسة أسكودار الرشدية”، ثم تغير اسمها عدة مرات تبعاً للأحياء والمباني التي انتقلت إليها. انتقلت المدرسة إلى منطقة طوبطاشي في أوسكودار، ثم استقرت عام 1867 في المنطقة التي توجد فيها حالياً، داخل مبنى دار المشير الشهير في أسكودار. وتوالت الأسماء: “مدرسة أسكودار الرشدية العتيقة” عام 1872، ثم “مدرسة أسكودار دوغانجيلار الرشدية” عام 1880، وأخيراً “رشدية أسكودار المركزية” عام 1888.

محطات مفصلية.. من الرشدية إلى السلطانية

شهد عام 1875 حدثاً مهماً بافتتاح مدرسة “باشا قابي العسكرية الرشدية” في حديقة المدرسة، لتلبية حاجة الجيش والبحرية من الضباط، وذلك خلال عهد السلطان عبد العزيز. وفي عام 1893، تحولت المدرسة إلى “إعدادية أسكودار”، لتصبح مؤسسة تعليمية إعدادية تؤهل الطلاب للتعليم العالي. ومع إعلان المشروطية الثانية وتحول عدد من المدارس الإعدادية إلى مدارس سلطانية (ثانوية)، تغير اسمها عام 1913 إلى “مدرسة أسكودار السلطانية”.

فترات صعبة.. الحرب والاحتلال والحريق

بعد حروب البلقان، استُخدم مبنى المدرسة كمستشفى، لكن التعليم استمر في قصر يالي بمنطقة باشا ليماني. وبعد انتهاء الحرب، عادت المدرسة إلى مبنى الرشدية المدنية (الملكية) في باشا قابي. وكانت سنوات الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال الأصعب على المدرسة؛ إذ جرى تجنيد 8 معلمين و43 طالباً، استشهد منهم 3 معلمين و26 طالباً، فيما لم يكمل بعض الناجين تعليمهم. وبين عامي 1917 و1922، توقفت المدرسة عن تخريج طلاب جدد لانعدام وجود طلاب في المرحلة الثانوية.

عقب هدنة مودروس واحتلال إسطنبول عام 1918، تحول مبنى المدرسة إلى مقر لجنود القوات المحتلة في أسكودار. وفي العام نفسه، اندلع حريق تسبب فيه جنود بريطانيون، وأتى على المبنى الخشبي بالكامل ومعظم المباني المجاورة. وبعد الحريق، نُقلت المدرسة إلى مبنى مدرسة مال خاتون في أسكودار، ثم أُغلقت مؤقتاً بسبب الاحتلال، قبل أن يُغير اسمها عام 1923 إلى “ثانوية أسكودار للبنين”.

من مدرسة متوسطة إلى ثانوية مجدداً.. وتخليد ذكرى برهان فلك

تحولت المدرسة عام 1924 إلى أول مدرسة متوسطة (إعدادية) في أسكودار، لكن بجهود مديرها محمد أمين بك وتطوع المعلمين لمدة عام، عاد إليها التعليم الثانوي. وفي عام 1925 عادت إلى اسم “ثانوية أسكودار للبنين”، ثم تحولت إلى إعدادية مرة أخرى عام 1929. ومع قبول الطالبات عام 1931، أصبحت مدرسة إعدادية مختلطة، وفي عام 1935 انتقلت إلى مبناها التاريخي الحالي بعد انتهاء الترميم، حاملة اسم “المدرسة الإعدادية الأولى في أسكودار”.

في العام الدراسي 1968-1969، استضافت المدرسة طلاب المرحلة الثانوية مساءً، واستعادت صفة الثانوية في العام الدراسي 1970-1971 باسم “ثانوية أسكودار”، واحتفلت في عام 1973 بتخريج أول دفعة. وفي عام 1983، تغير اسم المدرسة إلى “ثانوية برهان فلك” تكريماً للصحفي والكاتب برهان فلك، الذي ترأس جمعية الصحفيين في إسطنبول لسنوات طويلة وكان من خريجي المدرسة. وتواصل المدرسة اليوم خدماتها باسم “ثانوية الأناضول برهان فلك”، في مبنى حديث شُيد بجانب المبنى التاريخي، والذي يُتوقع أن يعود للعمل بعد اكتمال ترميمه.

نائب المدير: العمل هنا مصدر فخر.. ونحن بصدد رقمنة الأرشيف

في حديث لوكالة الأناضول، قال نائب مدير المدرسة فاضل يلدرم: “ثانوية برهان فلك واحدة من أقدم المدارس الثانوية التي تأسست في إسطنبول، ويرجع تاريخها إلى عام 1847”. وأوضح أن المدرسة تواصل منذ عام 2015 نشاطها باسم ثانوية الأناضول برهان فلك، وأن الأنشطة التعليمية تُقدم حالياً في المبنى الجديد الذي شُيد عام 2024 إلى جانب المبنى التاريخي.

وأشار يلدرم إلى أن عدد الطلاب سيبلغ 737 طالباً مع التحاق طلاب الصف التاسع في العام الدراسي الجديد، إلى جانب 46 معلماً. وأضاف: “نحن مدرسة اجتماعية ونشطة للغاية. لدينا نادٍ للرحلات ينظم رحلات إلى الخارج، كما ننظم رحلات داخل البلاد. لدينا أيضاً نادٍ للموسيقى وتدريبات للكورال. يشارك طلابنا في أنشطة أندية ريادة الأعمال من مدارس أخرى، ونشارك أيضاً في أنشطة نموذجية تنظمها الأمم المتحدة”.

وتحدث يلدرم عن نادي التاريخ الذي ينظم زيارات إلى المواقع التاريخية والسياحية والمكتبات في إسطنبول، ونادي الثقافة والأدب الذي يستضيف كتاباً أتراكاً وينظم جلسات قراءة كتب. كما أشار إلى مشاركات النادي الرياضي في مسابقات داخل إسطنبول وخارجها، قائلاً: “باختصار، نعيش إسطنبول بكل تفاصيلها”.

وكشف يلدرم أن المدرسة بدأت عملية نقل أرشيفها التاريخي الواسع إلى البيئة الرقمية، بتكليف من مديرية التربية الوطنية في إسطنبول، وبإشراف اثنين من المعلمين. وقال: “لقد رأيت وثائق الأرشيف هناك. كانت قديمة جداً، واطلعت على مواد دراسية متعددة مكتوبة باللغة التركية العثمانية”. واختتم حديثه: “كان من المثير بالنسبة لي أن أقترب من ماضينا، وأن أرى ما كان يعمل عليه أجدادنا وأنواع الأنشطة التعليمية التي كانوا يضطلعون بها. العمل في مدرسة لها هذا التاريخ مصدر فخر لنا”.