عاجل
١٢ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 28 يوليو 2026
الرياض +18°C

خلفية الانتقام في إيران بين المأتم ومفاوضات السلام

على هامش جنازة المرشد الإيراني، تكررت مناداة الشعب بالانتقام، ولم تأتِ هذه الدعوات من فراغ. فقد كان مجتبى خامنئي، المرشد الجديد، أول من هدد بالثأر لوالده الذي توفي في البدايات الأولى للنزاع. ارتكزت الخطة على دعم إسرائيلي ومساندة أمريكية، وكان الهدف إلحاق هزيمة سريعة للخصم، غير أن النظام لم ينهار، بل أضعف أسلوب الاغتيالات الذي يعتمد عليه الإسرائيليون وأوقف مسار الحرب، ما اضطر الرئيس الأمريكي إلى فتح باب التفاوض لإنهائها.

دعوات الانتقام وتنوع صيغها

تجددت الدعوات للثأر بألفاظ مختلفة؛ فقد صرح قائد الجيش الإيراني، أمير حاتمي، بـ”سننتقم لمقتل خامنئي”، بينما أعلن رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، أن “الثأر سيظهر في تشييع المرشد بامتلاء الجماهير”. وعلى صعيد الشارع، سُمعت هتافات تحث على اغتيال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، مستعيدة صدى الهتافات التي رددت عقب مقتل القائد القتالي قاسم سليماني. يبقى هذا التهديد أداة تحفيزية لا تدعم أي قدرة فعلية على التنفيذ.

المشهدية الرسمية في ختام الجنازة

في ظل غياب المرشد مجتبى، احتشد المسؤولون البارزون في إيران – رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، رئيس السلطة القضائية ووزير الخارجية – لاستقبال كبار المعزين الأجانب، مصحوبين بقراءة آيات قرآنية تحمل رسائل سياسية. سعت هذه الطقوس، إلى جانب الحشود المتعددة، إلى إظهار وحدة النظام وتماسكه، مع ترديد عبارة “مات المرشد، عاش المرشد”. كان هناك إجماع واضح على موقف موحد خلال الحرب، حتى بين الفصائل المعارضة، لكن هذا التجانس بدأ يتلاشى مع تطورات ما بعد الصراع.

المفاوضات وإطار المرشد

التزم المفاوضون الإيرانيون بالحدود التي وضعها المرشد، إذ لم تُوقع “مذكرة التفاهم” من قبل الرئيس مسعود بزشكيان إلا بعد الحصول على إجازة صريحة من المرشد. ورغم أن الأخير أعرب عن “وجهة نظر مختلفة” بشأن محتوى المذكرة، أذن لها بحكم أن الرئيس ومجموعة من المسؤولين أكدوا تحملهم مسؤولية حماية حقوق الأمة وجبهة المقاومة. بعد توقيع المذكرة، اندلعت انتقادات حادة أشار إلى أن “الحرس الثوري” هو خلفية تلك الاعتراضات، ما أدى إلى خطبة جمعة انتقدت المذكرة وترددت فيها هتافات معارضة داخل قاعات العزاء.

صراع الأجنحة داخل النظام

تشير مصادر متعددة إلى أن معظم مطالب الحرس الثوري كانت تركيزها على “إنهاء الحرب” وتعزيز “السيادة الفعلية على مضيق هرمز”. غير أن نصوص مذكرة التفاهم تحولت إلى سلاح في صراع الأجنحة، لتتحول الانتقادات إلى اتهامات بالخيانة وعصيان المرشد، بل وتُستند إلى مبدأ رفض التفاوض مع “قاتل الإمام الشهيد”. وبما أن المذكرة لا تمثل اتفاقًا نهائيًا ولا تُفصل تفاصيله، فإن الجدل حولها يقلل من وزنها ويُغمرها بالتناقضات؛ فبعض المعارضين وصّفوها بـ”كأس سم جديدة”، بينما احتفل الخطاب الرسمي بـ”الانتصار” الذي حققته طهران وتفاخر بالنتائج المتوقعة.

المستقبل المعلق بين العقوبات والنووي

استنادًا إلى اختلافات مرجحة من قبل المرشد، يقع على عاتق المفاوضين الإيرانيين – الذين وصفهم دونالد ترمب بـ”العقلانيين” – مهمة استخراج المنافع المتوقعة من المذكرة. في المقابل، لا تُقدم الولايات المتحدة تنازلات مجانية؛ فإلغاء العقوبات على صادرات النفط أو تحرير الأموال المجمدة لا يُنفّذ إلا بعد تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق نووي جديد. أما مسألة التحكم في مضيق هرمز وإنهاء الصراع في لبنان، فإن واشنطن لا تبدو مستعدة لتحقيقهما وفقًا لتطلعات طهران. يبقى الجدل الداخلي الإيراني محتدمًا، ومن المحتمل أن يتصاعد مع اقتراب موعد قرار البرنامج النووي، ولا يُتوقع ظهور أي تحول جوهري في النظام إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي.