لم يكن الجدل حول ارتداء الحجاب في فرنسا وليد القوانين الحديثة، بل تعود جذوره إلى خريف عام 1989، عندما رفضت ثلاث طالبات مسلمات خلع حجابهن داخل مدرسة بمدينة كريل شمالي باريس. شكلت تلك الواقعة نقطة انطلاق لنقاش سياسي ومجتمعي وقانوني ممتد لأكثر من ثلاثة عقود حول الرموز الدينية، خاصة الإسلامية، في الفضاء العام الفرنسي.
واليوم، وبعد مرور أكثر من 35 عاماً على حادثة كريل، لم يعد الجدل محصوراً في المدارس الحكومية، بل انتقل إلى ساحات التعليم العالي. تتصاعد الضغوط السياسية والدعوات من تيارات المحافظين واليمين لتوسيع نطاق الحظر القانوني ليشمل الطالبات المسلمات في الجامعات الفرنسية، وسط تحذيرات حقوقية وأكاديمية من المساس بالحريات الفردية داخل الحرم الجامعي.
بداية القصة: حادثة كريل 1989
في أكتوبر/تشرين الأول 1989، طُردت ثلاث طالبات من مدرسة “غابرييل-هافيز” الإعدادية في كريل بعد رفضهن خلع الحجاب داخل الصف. وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الدولة الفرنسي قراراً اعتبر فيه أن ارتداء الطلاب رموزاً تدل على انتمائهم الديني لا يتعارض بذاته مع مبدأ العلمانية.
لكن الجدل لم يتوقف. وفي 15 مارس/آذار 2004، أقرت فرنسا قانوناً يحظر في المدارس الحكومية ارتداء الرموز أو الملابس التي تُظهر بشكل واضح الانتماء الديني، وهو تشريع استهدف الحجاب الإسلامي بصورة خاصة في النقاش العام، رغم أن نصه لم يذكر الإسلام أو الحجاب بالاسم. ودخل القانون حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي 2004-2005.
توسع القيود: من إخفاء الوجه إلى الأمهات المحجبات
في عام 2010، توسع نطاق القيود بإقرار قانون يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، مع فرض غرامة تصل إلى 150 يورو على المخالفين. وامتد الجدل لاحقاً إلى أمهات محجبات يرافقن أبناءهن في الرحلات المدرسية، قبل أن يتدخل مجلس الدولة عام 2013 لصالح حقهن في ارتداء الحجاب. وفي عام 2024، بالتزامن مع استضافة فرنسا دورة الألعاب الأولمبية، منعت السلطات الرياضية الفرنسية أفراد بعثتها من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات.
ضغوط اليمين المتطرف وعهود انتخابية
بعد أكثر من ثلاثة عقود على حادثة كريل، عاد الملف إلى الواجهة مع مقترحات من اليمين المتطرف لتوسيع نطاق حظر الحجاب ليشمل الفضاء العام بأكمله. وأعلن مسؤولون في حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف أنهم سيفرضون، في حال فوزهم بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، حظراً على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مع فرض غرامات على المخالفين، مشيرين إلى اعتزامهم طرح المسألة عبر استفتاء. كما قال برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين (يمين الوسط) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، إنه سيحظر ارتداء الحجاب في الجامعات حال فوزه بالانتخابات.
تحول الإعلام وتأطير الإسلام
يرى المحرر والكاتب الفرنسي توماس ديلتومب، الذي بحث في تناول الإعلام الفرنسي للإسلام، أن جذور التحول في النظرة إلى المسلمين تعود إلى الطريقة التي بدأ بها الإعلام الفرنسي تناول الإسلام منذ سبعينيات القرن الماضي. في كتابه “الإسلام المتخيل: البناء الإعلامي للإسلاموفوبيا في فرنسا 1975-2005″، درس ديلتومب طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام خلال تلك الفترة.
وفي حديثه للأناضول، أوضح ديلتومب أن الإسلام لم يكن يحظى باهتمام كبير في الإعلام الفرنسي حتى سبعينيات القرن الماضي، عقب استقلال الجزائر عام 1962. لكن ثمانينيات القرن الماضي شهدت “تحولاً جذرياً” حيث أصبح الإعلام يهتم بالهوية الإسلامية للمسلمين أكثر من أي هوية أخرى، وهو ما يسميه “إسلامنة النظرة إليهم”. وأضاف أن صحفيين ومديري وسائل إعلام وسياسيين بدأوا خلال تلك المرحلة اختزال المسلمين في “هويتهم الإسلامية” وحدها.
وأشار ديلتومب إلى تزايد المقابلات التلفزيونية المتعلقة بارتداء الحجاب في تلك الفترة، معتبراً أن قضية الكاتب سلمان رشدي وكتابه “آيات شيطانية”، وما عُرف في فرنسا بقضية “الشادور” الإيراني، أسهما في جعل غطاء الرأس قضية إعلامية وسياسية بارزة. وقال إن وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون، بدأت بعد ذلك بأشهر بث تقارير ومقابلات على مدى أسابيع بشأن ما سمته “قضية الشادور” و”قضية الحجاب”.
ويربط ديلتومب هذا التحول بتغيرات شهدتها فرنسا آنذاك على الصعيدين الإعلامي والسياسي، مشيراً إلى ظهور قنوات تلفزيونية خاصة واشتداد المنافسة بينها، ما دفع بعضها إلى البحث عن موضوعات مثيرة للجدل. وتزامن ذلك، بحسب ديلتومب، مع صعود اليمين المتطرف وقبول سياسيين فرنسيين فتح نقاش بشأن الهوية الفرنسية. كما تصاعد حضور العلمانية في النقاش العام، وقال ديلتومب إن عدداً من المسؤولين الاشتراكيين قدموا ارتداء الحجاب على أنه يتعارض معها.
وأكد ديلتومب أن القوانين الفرنسية النافذة في ثمانينيات القرن الماضي لم تكن تعتبر الحجاب بذاته مخالفاً للعلمانية، وأن قرار مجلس الدولة عام 1989 أكد أن ارتداء الرموز الدينية لا يشكل في حد ذاته انتهاكاً لهذا المبدأ. لكن القرار لم يلق قبولاً لدى بعض السياسيين من اليسار واليمين، وبدأت محاولات للالتفاف عليه، منها تعميم وزير التعليم فرانسوا بايرو عام 1994 بشأن الرموز الدينية في المدارس الحكومية، والذي لم يذكر كلمتي “مسلم” أو “حجاب” بشكل مباشر، لكن ديلتومب رأى أن الرسالة كانت واضحة: “كان الهدف هو حظر الحجاب في مؤسسات التعليم العام في فرنسا”.
ويرى ديلتومب أن المحاولات الرامية إلى الالتفاف على قرار مجلس الدولة لم تحقق النتيجة المرجوة، إلى أن صدر قانون 15 مارس/آذار 2004 الذي حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية. وقال: “كان هذا انتصاراً كاملاً للمحافظين المعادين للمسلمين؛ فقد نجحوا في حظر الحجاب، وكذلك في وصم الشابات اللواتي يرتدينه”. وأضاف أن أحداثاً مختلفة في العالم، لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالإسلام، استخدمت في النقاشات العامة لوصم المسلمين، خاصة من جانب أشخاص يتبنون أيديولوجيات عنصرية. وختم ديلتومب بالقول إن قانون عام 2004 غيّر هذا الوضع، وبالتالي “غيّر إلى حد ما طبيعة العلمانية” في فرنسا.






