أكد المختص في الشأن السوداني، خالد عمر، أن إنهاء النزاع في السودان يجب أن يحظى بالأولوية القصوى في أي عملية سياسية، محذراً من أن الحوارات التي تتجاهل وقف القتال قد تسهم في ترسيخ الانقسام الحالي في البلاد. وأوضح عمر، في تصريحات لقناة «سكاي نيوز عربية»، أن نجاح أي حوار يُقيَّم بناءً على هدفه الرئيسي، مشيراً إلى أن أي حوار يرمي إلى إيقاف الحرب سيكون موضع ترحيب من غالبية السودانيين.
وأضاف أن الأولوية الملحة للسودانيين هي إنهاء الاقتتال وتمكين ملايين النازحين واللاجئين من العودة إلى ديارهم، لافتاً إلى أن «الأولوية الآن هي لـ14 مليون لاجئ ونازح سوداني، وعودتهم إلى منازلهم»، وأن ما يمنعهم هو استمرار الحرب.
وقف إطلاق النار شرط جدية الحوار
ويرى عمر أن مصداقية أي مبادرة سياسية تبدأ بوقف إطلاق النار، قائلاً: «بداية الجدية تُثبت بالاتفاق على هدنة أولاً»، معتبراً أن الهدنة قد تهيئ المناخ لحوار سياسي جاد. وحذر من أن عقد حوار في مناطق يسيطر عليها طرف واحد قد يؤدي إلى ترسيخ واقع الانقسام، مشيراً إلى أن السودان يعيش حالياً «انقساماً أمر واقعاً»، حيث توجد مناطق تحت سيطرة القوات المسلحة وأخرى تحت سيطرة قوات الدعم السريع، إضافة إلى مناطق تسيطر عليها حركات مسلحة.
وأكد أن انعقاد حوار في منطقة تخضع لسيطرة طرف واحد «يعني تكريس التقسيم القائم»، مما قد يجعل مهمة إعادة توحيد السودان «بالغة الصعوبة». ودعا إلى عملية سياسية شاملة تضم المسارات الأمنية والإنسانية والسياسية معاً، موضحاً أن المطلوب هو «حزمة متكاملة تربط بين المسار الأمني الذي يوقف إطلاق النار، والمسار الإنساني الذي يعالج الأزمة الإنسانية، والمسار السياسي الذي يعالج القضايا التي أدت إلى اندلاع الحرب».
لا حل عسكرياً.. والحرب دخلت مرحلة الاستنزاف
وفيما يتعلق بالتطورات الميدانية، استبعد عمر إمكانية حسم الحرب عسكرياً، معتبراً أن «لا حل عسكرياً لمشاكل السودان، وهذه الحقيقة تتأكد يوماً بعد يوم». وأضاف أن ميزان القوى العسكري ظل متأرجحاً بين طرفي النزاع طوال سنوات الحرب، بينما يدفع المدنيون الثمن، مشيراً إلى أن المعارك امتدت إلى مناطق شاسعة من البلاد. وقال إن الحرب دخلت مرحلة «الاستنزاف المفتوح للشعب السوداني نفسه»، مضيفاً: «حقيقة أن الشعب السوداني هو من ينزف دماً وينزف حاضرَه ومستقبلَه بسبب هذه الحرب».
وأكد أن استمرار الرهان على النصر العسكري يفاقم الخسائر، مشيراً إلى أن «الأرواح التي فُقدت لا يمكن تعويضها»، وأن الخسائر المادية التي لحقت بالبلاد قد تحتاج لعقود لتعويضها. وخلص إلى أن الدرس الأبرز من سنوات الحرب هو «ضرورة وضع حد لها الآن، والابتعاد عن وهم أن طرفاً واحداً يستطيع عبر بندقيته أن يحدد مستقبل السودان بأكمله».
اقتصاد الحرب.. أطراف تستفيد من استمرار القتال
وأشار عمر إلى أن استمرار القتال لا يرتبط فقط بمحاولات الأطراف تحقيق مكاسب عسكرية لتحسين مواقعها التفاوضية، بل توجد، بحسب قوله، أطراف تستفيد من استمرار الحرب ذاتها. وأوضح: «هناك جانب يسعى لتحقيق مكاسب عسكرية يترجمها لمكاسب سياسية على طاولات التفاوض، وهناك جانب يتكسب من الحرب نفسها، لأن الحرب أصبحت هدفاً لذاتها». وأضاف أن ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب» يشمل مجموعات مسلحة تستفيد من موارد البلاد، محذراً من أن استمرار هذه المصالح يجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة.
تحذيرات من الدور الإيراني والحركة الإسلامية
وفي تعليقه على الدور الإيراني في السودان، قال عمر إن دعم طهران للجيش السوداني والحركة الإسلامية يمثل، من وجهة نظره، علاقة تتجاوز المصالح الآنية، معتبراً أن لها «أبعاداً خطيرة ليس على حاضر السودان فحسب، بل على مستقبله أيضاً». وأشار إلى أن العلاقة بين الحركة الإسلامية وإيران «علاقة أيديولوجية عميقة»، مضيفاً أن طهران تسعى، بحسب تقديره، إلى إيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر والقارة الإفريقية. كما حذر من وجود تشكيلات مسلحة ذات طابع أيديولوجي، قائلاً: «الأمر ليس نشوءً، بل أمر واقع موجود على الأرض الآن»، مشيراً إلى وجود جماعات مسلحة مرتبطة بالحركة الإسلامية حسب قوله.
وحذر عمر من أن استمرار الحرب يهدد مستقبل المجتمع السوداني، ولا سيما الأطفال والشباب، مشيراً إلى تعطل التعليم وتراجع النشاط الاقتصادي وتزايد عمليات التجنيد. وقال: «الحرب لا تحرق حاضر السودان فحسب، بل تحرق وتدمر مستقبل السودان لوقت طويل قادم». وفي الشق الإنساني، حمّل عمر الأطراف السودانية المسؤولية الأساسية عن الكارثة، معتبراً أن الأزمة الإنسانية هي نتيجة مباشرة لاستمرار الحرب. وقال: «لإيقاف هذا النزيف الإنساني، المطلوب إرادة من داخل السودان ابتداءً لوقف الحرب»، مشدداً في الوقت نفسه على مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. واختتم عمر بالتأكيد على أن الخروج من الأزمة يتطلب «وقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، والانخراط في حوار يحل مشاكل السودان على المدى البعيد».






