في ثقافتنا العربية، يتردد مثل شعبي يجد جذوره في ميادين الخيل والسباقات، مستلهماً من روح الفروسية ومعانيها العميقة. يتناول هذا المثل الخيول الأصيلة التي يراهن عليها الجميع، متوقعين منها إثارة الغبار واحتلال الصدارة في المضمار، لأنها تمثل الأصالة والقدرة على الفوز، مما يجعلها محط آمال كبيرة وتوقعات عالية.
لكن هذه الخيول قد تفاجئ الجميع عند لحظة الانطلاق؛ فقد تتعثر فجأة أو تبدأ ببطء شديد يبدد الآمال ويجعل الرهانات موضع شك. ومع ذلك، فإن البداية المتعثرة أو البطيئة لا تكفي للحكم عليها، فالسباقات تحتاج إلى الإصرار والاستمرارية، والفوز غالباً ما يكون من نصيب من يمتلك النفس الطويل.
المنعطف الأخير يعيد الأصايل إلى المقدمة
عند المنعطف الأخير، تستعيد الأصايل مكانها الطبيعي، فتتجاوز من سبقها وتنتزع المقدمة في الأمتار الحاسمة، تماماً كالسهم الذي لا ينطلق بقوة إلا بعد أن يرتد إلى الخلف. هذا المشهد يشبه ما يعيشه الإنسان في دروب الحياة، خاصة عند سعيه نحو هدف أو خوضه منافسة مع آخرين يشاركونه المضمار نفسه.
يمتاز هذا المثل بتحريرنا من عقدة البدايات الضخمة والانطلاقات ذات الزخم الكبير، إذ يميل كثيرون إلى وضع الخطوة الأولى وكأنهم خبراء بالطريق، بينما المطلوب هو البدء في السلوك ثم التدرج في عبور العقبات وطي المسافات حتى بلوغ الغايات. ومن سار على الدرب وصل.
الإشباع المؤجل: مفهوم نفسي يتقاطع مع المثل
يتردد في علم النفس مفهوم “الإشباع المؤجل”، وهو قدرة الإنسان على مقاومة المكافأة الفورية، والصبر على مشقة الحاضر، والتنحي عن لهفة السبق، طمعاً في مكافأة أكبر وأكثر قيمة في المستقبل. ترتبط هذه القدرة بقوة الإرادة والانضباط الذاتي والنجاح على المدى الطويل، بعيداً عن المكاسب السريعة أو وهج البدايات.
يتجلى وجه الشبه بين هذا المفهوم والمثل في عدم استنزاف الطاقة منذ اللحظة الأولى، حيث تختزن الأصايل جهداً وافراً حتى تبذله عند لحظة الحسم، عندما يلوح خط النهاية في أفق المضمار.
قصة الدكتور مصطفى محمود: شاهد على الصبر
لعل سيرة المرحوم الدكتور مصطفى محمود خير شاهد على ذلك. ففي سنوات دراسته بكلية الطب، أقعده المرض قرابة ثلاثة أعوام، فتخلف عن زملاء دفعته، وبدا وكأن السباق قد مضى من دونه. لكن تلك المحطة تحولت إلى المنعطف الأهم في حياته؛ إذ انكب، وهو طريح الفراش، على القراءة بنهم، حتى غدت عزلته معملًا للفكر، وتحولت صفحات الكتب إلى رصيد معرفي أخذ يتراكم عاماً بعد عام.
شهد العالم ولادة مفكر روحاني وكاتب فذ في خضم تلك الليالي العاثرة. ومع مرور السنين، اكتملت ملامح مشروعه الفكري، وتعاقبت مؤلفاته وبرامجه، حتى عبر خط النهاية بإرث علمي وفكري ما زالت الأجيال تستقي منه، وتجد فيه إلهاماً للعقول وغذاءً للأرواح، وشاهداً حياً على أن بعض العثرات تخفي في طياتها مفازات لا تدرك قيمتها إلا بعد حين.






