أكد هاني الشاذلي، المدير التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد إدارة المشاريع (PMI)، أن التحول الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030 يفرض تطوير مستوى جديد من القدرات المهنية والتنظيمية القادرة على إدارة المشاريع العملاقة وبرامج التحول المعقدة، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات وتعدد أصحاب المصلحة وطول الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لهذه المشاريع يجعل من الكفاءات المتخصصة في إدارة المشاريع وقادة الأعمال عنصراً محورياً في تحويل الطموحات الوطنية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.
دور محترف إدارة المشاريع يتجاوز الجداول الزمنية
وأوضح الشاذلي، في مقابلة خاصة مع الرياض، أن دور محترف إدارة المشاريع لم يعد مقتصراً على متابعة الجداول الزمنية والميزانيات ونطاق العمل، بل تطور ليصبح شريكاً استراتيجياً يربط المشروع بأهداف المنظمة وقيمته النهائية، مؤكداً أن المملكة قد تحتاج إلى أكثر من 400 ألف محترف في إدارة المشاريع بحلول عام 2035، وفقاً لتقرير معهد إدارة المشاريع حول فجوة المواهب العالمية في هذا المجال.
وتناول الشاذلي خلال الحوار متطلبات إدارة المشاريع العملاقة في المملكة، وأهمية الحوكمة والتخطيط وإدارة المخاطر وتحقيق الفوائد، ودور الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في إعداد جيل جديد من الكفاءات السعودية، إلى جانب التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مهنة إدارة المشاريع، والمهارات الإنسانية التي ستظل أساسية، مثل القيادة والحكم المهني وبناء الثقة والتواصل وتحمل المسؤولية.
إعادة تعريف نجاح المشاريع
كما تحدث عن مفهوم جديد لنجاح المشاريع يتجاوز الالتزام بالوقت والميزانية، ليصل إلى قياس القيمة والأثر والاستدامة، مؤكداً أن الهدف النهائي ليس مجرد إنجاز المشروع، وإنما التأكد من تحقيقه للنتائج التي أُنشئ من أجلها، وترك أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي مستدام.
وشدد الشاذلي على أن المملكة تشهد تنفيذ أحد أكثر برامج التحول طموحاً على مستوى العالم، حيث تترجم رؤية 2030 الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة عبر قطاعات البنية التحتية، والسياحة، والتقنية، والتنوع الاقتصادي، والتطوير الحضري، وجودة الحياة. وفي قلب هذا التحول الشامل تقف المشاريع، ولهذا السبب تحديداً يلعب محترفو إدارة المشاريع وقادة الأعمال دوراً بالغ الأهمية؛ فقادة الأعمال يحددون التوجه، ويرتبون أولويات الاستثمار، ويزيلون العقبات، بينما يقوم محترفو المشاريع بتحويل ذلك الطموح إلى واقع تنفيذي من خلال ربط أصحاب المصلحة.
الاستثمار في المواهب المحلية
وأشار إلى أن حجم الفرصة كبير جداً؛ فوفقاً لتقرير معهد إدارة المشاريع (PMI) حول “فجوة المواهب في إدارة المشاريع العالمية”، قد تحتاج المملكة العربية السعودية إلى أكثر من 400 ألف محترف إدارة مشاريع بحلول عام 2035، وهو ما يمثل نمواً محتملاً في الطلب يصل إلى مستويات غير مسبوقة. وأعرب عن تفاؤله بإدراك المملكة أن القدرات البشرية هي الأساس الجوهري لهذا التحول، مشيراً إلى استثمار كبير في تطوير المواهب المحلية، حيث يعمل المعهد مع الجهات الحكومية والمؤسسات والقطاع الأكاديمي والجهات المعنية في جميع أنحاء المملكة لتعزيز قدرات إدارة المشاريع.
وحول القدرات الرئيسية التي تحتاجها المنظمات لتسليم المشاريع العملاقة وبرامج التحول المعقدة بنجاح، أكد أن حجم هذه المشاريع يتطلب مستوى جديداً من القدرات التنظيمية والمهنية، مع شفافية حول من يتخذ القرارات، ومن يتحمل المسؤولية، وكيفية تصعيد المشكلات، وكيفية تحديد أولويات الاستثمارات والموارد. وأوضح أنه في برامج التحول المعقدة لا يمكن إدارة كل مبادرة بشكل منفصل، بل يتوجب على القادة النظر باستمرار في كيفية ارتباط الاستثمارات المختلفة بالنتائج التي يسعون لتحقيقها، مما يعني أن محترفي المشاريع بحاجة إلى أن يصبحوا شركاء استراتيجيين يفهمون كيف يساهم عملهم في تحقيق الأهداف الأوسع للمنظمة وأجندة التحول الخاصة بها.
وبيّن أن بناء القدرات لا يقتصر على العمليات واللوائح فقط، بل يحتاج أصحاب الأعمال أيضاً إلى الاستثمار في كوادرهم؛ فمحترف إدارة المشاريع في المستقبل يحتاج إلى مزيج من القدرات التقنية، والفطنة التجارية، والطلاقة الرقمية، والمعرفة بالاستدامة، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وهو ما يسمح للمشروع العملاق بالانتقال من رؤية طموحة إلى أثر وطني ملموس ومستدام.
إعداد الشباب السعودي لقيادة مشاريع المستقبل
وفيما يخص التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، أوضح الشاذلي أن بناء القدرات التي ستحتاجها المملكة في المستقبل يبدأ قبل وقت طويل من تحول الشخص إلى مدير مشروع، فالشباب بحاجة إلى أكثر من المعرفة التقنية لإدارة المشاريع؛ فهم بحاجة إلى القيادة، والتواصل، والتعاون، وحل المشكلات، والفطنة التجارية، والقدرات الرقمية، وهي المهارات التي ستسمح لهم بالتعامل مع عالم تتطور فيه طبيعة العمل باستمرار. وقال إن معهد (PMI) يعمل مع الجامعات لإدخال إدارة المشاريع في المسار التعليمي مبكراً، نظراً لأن التحول في المملكة يخلق طلباً على مئات الآلاف من محترفي المشاريع خلال العقد القادم، لذا فإن تطوير المواهب المحلية مبكراً أمر أساسي لبناء مستدام لكوادر المستقبل.
وأضاف أن الطلاب والمحترفين في بداية مسيرتهم المهنية يحتاجون إلى التعرض لبيئات المشاريع الحقيقية، والمجتمعات المهنية، والممارسات القيادية المطلوبة لتسليم المبادرات المعقدة، كما يحتاجون إلى إعداد الشباب لعالم سيكون فيه الذكاء الاصطناعي جزءاً من كل مهنة تقريباً، دون أن يفقدوا التقدير السليم، والقدرة على التكيف، والمهارات الإنسانية التي لا يمكن للتكنولوجيا استبدالها. واختتم حديثه في هذا السياق بالقول إن إدارة المشاريع ليست مجرد اتباع لخطوات أو عمليات، بل هي حل للمشكلات، وتجميع للأفراد، وتوجيه للتعقيدات، وتحويل للأفكار إلى نتائج، فإذا استطعنا تزويد الشباب السعودي بهذا المزيج من المعرفة والخبرة العملية والقدرات البشرية، فنحن لا نعدهم للوظائف فحسب، بل نساهم في إعداد الأشخاص الذين سيقودون المشاريع التي تشكل مستقبل المملكة.
الذكاء الاصطناعي والمهارات البشرية التي لا تُستبدل
وحول أتمتة المزيد من المهام عبر الذكاء الاصطناعي، أكد الشاذلي أن السؤال الأكثر أهمية هو: ما هي القدرات التي تميز المحترفين القادرين على القيادة بفعالية في هذه البيئة الجديدة؟ فلا يزال هناك حاجة لشخص يقرر ما هو المهم، وما هي التنازلات المقبولة، وكيف ينبغي إشراك أصحاب المصلحة، وما هو القرار المسؤول في سياق معين. وأوضح أن معهد (PMI) ينظر إلى هذا من خلال الجمع بين أساليب العمل، والمهارات القوية، والفطنة التجارية، حيث يحتاج المحترفون إلى الطلاقة التقنية والرقمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، ولكنهم يحتاجون أيضاً إلى القدرات البشرية والاستراتيجية لمعرفة كيفية توظيف هذه الأدوات في سياقات العمل المختلفة.
وفيما يتعلق بإعادة تعريف “نجاح المشروع”، قال إنه بالنسبة لمشاريع بهذا الحجم والطموح، يجب أن يُعرَّف النجاح بالقيمة والأثر الناتجين، وليس فقط بما إذا كان المشروع قد تم تسليمه وفقاً لجدوله الزمني وميزانيته ونطاقه الأصلي. فالسؤال الأكبر هو: هل حقق المشروع النتيجة التي وُجد من أجلها؟ يجب أن يؤدي التحول الناجح إلى تحسين المخرجات، وتعزيز القدرات التنظيمية، وتوفير الفوائد التي تستمر حتى بعد تسليم المشروع، كما يجب أن يكون مرناً وقادراً على التكيف ليبقى ذا صلة مع تغير الظروف، ويخلق قيمة تستحق الاستثمار والجهد المبذول.
وأكد أن المنظمات بحاجة إلى الانتقال من قياس النشاط إلى قياس الأثر، فلم يعد السؤال مجرد: هل انتهينا؟ بل أصبح أيضاً: هل تحسن الأداء، وهل خلقنا قيمة، وهل تركنا المنظمة أقوى؟ أما بالنسبة لدور معهد (PMI)، فإن دوره يتمثل في قيادة هذا التحول من خلال المعايير، والبحوث، والتعلم، والقدرات التي يحتاجها المحترفون في اقتصاد مشاريع يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه يستثمر المعهد في قدرات الذكاء الاصطناعي ونهج جديدة لمساعدة المحترفين على التكيف مع هذا الاقتصاد، بهدف مساعدة الأفراد والمنظمات على تحويل الاستراتيجيات الطموحة إلى نتائج مستدامة وقيمة دائمة.






