عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

الإبريز: دلالة الذهب الخالص في التراث العربي

معنى الإبريز وأصله

الإبريز يعني الذهب الخالص الصافي؛ والقطعة الواحدة تُسمى «إبريزة». يقال: ذهبٌ إبريز، أي بلغ من النقاء درجة لا يبقى فيها ما يشوبه أو ينقص من صفائه. وقد سجّل مجمع اللغة العربية بالقاهرة هذا المعنى، ووضع المصطلح تحت أحد فرعي مادة «برز».

الخلاف حول أصل الكلمة

يرى ابن جني أن الوزن «إفعيل» مشتق من الفعل «بَرَز»، مع اعتبار الهمزة والياء زائدتين؛ فبهذا التفسير يصبح الذهب الإبريز هو الذهب الذي برز خالصًا بعد إزالة ما يشوبه. وقد نقل ابن منظور في «لسان العرب» هذا الرأي صراحةً، مستشهدًا بقول ابن الأعرابي الذي وصف الإبريز بأنه الحلي الصافي من الذهب. غير أن ابن دريد أدرج عبارة «ذهب إبريز» ضمن الألفاظ التي لم يرها عربية خالصة، واقترحت بعض الدراسات أصولًا أعجمية للكلمة، رابطًا إياها أحيانًا باليونانية وأحيانًا بالفارسية.

الإبريز في التراث والحديث

لم يقتصر حضور الإبريز على كونه مدخلًا معجميًا عابرًا؛ فقد ورد في الحديث الشريف حيث شبّه المؤمن الذي نجّاه الله من السيئات بالذهب الذي يخرج من النار إبريزًا خالصًا. كما استعمله الشاعر النابغة في وصف الحلي المزيّن بالإبريز.

من المعدن إلى المعنى

هنا تتحول الكلمة من وصف معدن إلى وصف معنى؛ فالذهب لا يُطلق عليه إبريز لمجرد أنه ذهب، بل بعد أن يختبر ويُصهر وتتفصل عنه الشوائب. النار هنا تكشف حقيقة الذهب، كما يكشف البلاء حقيقة الإيمان. وبذلك يتجاوز اللفظة المعدن نفسه: النقاء لا يثبت بالادعاء، بل يظهر حين يمر المرء بما يكشف معدنه. فكم من شيء يبدو لامعًا قبل الاختبار ثم يكتشف أن بريقه كان سطحيًا فقط! وكم من إنسان يظل هادئًا مستور المعدن حتى تأتيه محنة أو موقف أو مسؤولية، فيخرج من التجربة أصلب وأصفى وأصدق مما كان. ولعل هذا ما أرادت الصورة التراثية إيصاله: كالذهب الإبريز، ليس الأهم أن نبدو كالذهب، بل أن نكون إبريزًا حين تأتي النار.