شكّل الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ اليمن الحديث، في مرحلة كانت البلاد تواجه فيها أخطر التحديات السياسية والعسكرية منذ قيام الجمهورية اليمنية.
النشأة والصعود إلى الرئاسة
ولد عبدربه منصور هادي في محافظة أبين جنوب اليمن، وتدرج في الحياة العسكرية والسياسية حتى أصبح أحد أبرز رجال الدولة في اليمن. وعقب الاحتجاجات والأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2011، انتقلت السلطة إليه بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ليتولى قيادة مرحلة انتقالية معقدة هدفها الحفاظ على وحدة اليمن وتجنب انهيار مؤسسات الدولة.
التحديات والانقلاب والرد على الأزمة
ومنذ توليه السلطة عام 2012، واجه الرئيس هادي تحديات داخلية متشابكة، كان أبرزها الانقسامات السياسية، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتصاعد نفوذ جماعة الحوثي المسلحة المدعومة من إيران. ومع اتساع تحركات الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء في سبتمبر 2014، دخل اليمن أخطر منعطف في تاريخه الحديث، بعدما تعرضت مؤسسات الدولة للانهيار التدريجي، وفرضت الجماعة المسلحة واقعًا بالقوة.
وفي تلك المرحلة، تمسك الرئيس هادي بشرعية الدولة ورفض الاعتراف بالأمر الواقع الذي حاولت مليشيا الحوثي فرضه بالقوة. ورغم تعرضه للإقامة الجبرية في صنعاء، تمكن في فبراير 2015 من مغادرة العاصمة والوصول إلى عدن، حيث أعلن أن اليمن لم يسقط، وأن الجمهورية لا تزال قائمة، في خطوة اعتُبرت نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة اليمنية.
ومع تقدم الحوثيين باتجاه عدن وتهديدهم بإسقاط الدولة بشكل كامل، وجّه الرئيس عبدربه منصور هادي في مارس 2015 طلبًا رسميًا إلى دول الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية للتدخل العسكري العاجل من أجل حماية اليمن وشعبه واستعادة مؤسسات الدولة. ولم يكن ذلك الطلب – وفق ما أكدت مواقفه اللاحقة – بحثًا عن حرب أو حفاظًا على منصب، بل محاولة لمنع سقوط اليمن بالكامل بيد مشروع طائفي مسلح، بعدما فشلت المبادرات السياسية في وقف الانقلاب.
وبدأ تحالف دعم الشرعية عملياته العسكرية استجابة لذلك الطلب، لتدخل اليمن مرحلة طويلة من المواجهة السياسية والعسكرية. وخلال تلك السنوات، ظل الرئيس هادي متمسكًا بخيار الدولة والجمهورية ووحدة اليمن، ورفض منح الانقلاب أي شرعية سياسية رغم الضغوط والتعقيدات التي أحاطت بالمشهد اليمني.
كما ارتبط اسم هادي بالدفاع عن الهوية العربية لليمن، ورفضه لما اعتبره مشروعًا يستهدف تحويل البلاد إلى ساحة نفوذ إيراني عبر جماعة الحوثي المسلحة. وظل يؤكد في خطاباته ومواقفه أن معركة اليمن ليست صراعًا على السلطة، بل معركة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
نقل السلطة والإرث
وفي أبريل 2022، أعلن الرئيس عبدربه منصور هادي نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي، في خطوة سياسية جاءت عقب مشاورات الرياض، وشكلت محطة مفصلية جديدة في مسار الأزمة اليمنية. واستند القرار إلى دستور الجمهورية اليمنية، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومبادئ التداول السلمي للسلطة، مع التأكيد على أهمية توحيد القوى الوطنية لمواجهة التحديات السياسية والعسكرية والإنسانية.
ورأى كثير من المراقبين أن قرار هادي بتفويض صلاحياته لمجلس القيادة الرئاسي عكس إدراكه لحجم التحديات التي تواجه اليمن، ورغبته في تقديم مصلحة البلاد على أي اعتبار شخصي. كما اعتُبر القرار محاولة لخلق شراكة أوسع بين القوى اليمنية المناهضة للانقلاب، ودعم جهود استعادة الدولة وتحقيق الاستقرار.
ولم يغادر الرئيس هادي السلطة عبر انقلاب أو تسوية شخصية، بل من خلال انتقال سياسي معلن حظي بدعم إقليمي ودولي، في مشهد رآه أنصاره تجسيدًا لفكرة رجل الدولة الذي خاض معركة الدفاع عن الجمهورية والشرعية، ثم سلّم السلطة حين رأى أن الوطن يحتاج إلى مرحلة جديدة.
وعلى امتداد سنوات الأزمة، ظل اسم عبدربه منصور هادي مرتبطًا بمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث، مرحلة شهدت انهيار الدولة والحرب والانقسام، لكنها شهدت أيضًا تمسكًا بشرعية الجمهورية ومحاولات مستمرة للحفاظ على وحدة البلاد ومنع سقوطها الكامل بيد المليشيات المسلحة.
وسيظل الجدل السياسي قائمًا حول تلك المرحلة بكل تعقيداتها، غير أن حضور هادي في المشهد اليمني ارتبط لدى مؤيديه بصورة رجل الدولة الذي تمسك بشرعية الجمهورية، وواجه الانقلاب، ثم اختار في نهاية المطاف أن يقدّم انتقال السلطة باعتباره خطوة في سبيل منح اليمن فرصة جديدة للخروج من أزمته الطويلة.






