عاجل
٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| السبت، 13 يونيو 2026
الرياض +16°C

نجاح موسم الحج وتعزيز القوة الناعمة السعودية

08/06/2026 03:00

في أيام قليلة، تتجسد أجواء إيمانية في البقاع المقدسة، وتظهر مشاهد إنسانية تمسّ وجدان البشر، بينما تدهش التقنيات الحديثة العقول. يجتمع ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج، ويتابع المليارات الفعاليات بين شوق وتعجب. أذكر هنا فرداً غير مسلم من عائلة المضيف خلال فترة بعثتي، كان يشاهد لقطات للحج ويقول: “كل سنة أتابع مشاهد الحج وأحاول أن أفهم لماذا يجتمع هذا العدد الكبير من الأشخاص في مكان واحد، وكيف ينتظمون بهذا الشكل؟!”. هذا التساؤل العفوي يعكس ما يطلق عليه في العلوم السياسية القوة الناعمة، حيث تمثل “الرمزية الإسلامية” أحد أهم مواردها للمملكة العربية السعودية وفق العديد من الدراسات والتقارير. من بينها تقرير مركز الدبلوماسية العامة بجامعة جنوب كاليفورنيا الصادر في 2023 تحت عنوان “الرحلة المقدسة: القوة الناعمة السعودية التي لا تضاهى”، الذي أشار إلى أن الحرمين الشريفين يمنحان المملكة ميزة ناعمة لا تستطيع أي دولة أخرى محاكاتها.

الرمزية والقوة الناعمة

اليوم نهنئ أنفسنا وقيادتنا بنجاح موسم حج 1447هـ، ونلاحظ كيف تتحول هذه الرمزية من شرف الاستضافة إلى نموذج سعودي مستدام يبقى محفوراً في الأذهان.

إنجازات موسم الحج 1447هـ

سجل الموسم أرقاماً ومنجزات مهمة: بلغ إجمالي ضيوف الرحمن 1,707,301 حاجاً وحاجة، واستقبلت المطارات أكثر من 1.48 مليون قادم جواً، وليس ذلك مجرد إجراء إداري بل استعراض لقدرات لوجستية ضخمة. نشرت المملكة آلاف أبراج الاتصالات الخلوية ونقاط واي فاي مجانية، مما أتاح مرور أكثر من 202 مليون مكالمة وتوفير تطبيقات ذكية لخدمة الحجاج. لقياس مدى هذا الإنجاز على الساحة العالمية، يمكن مقارنته بأحداث كبرى: كأس العالم 2022 جذب نحو 3.4 مليون مشجع distrib­uted على شهر كامل وثمانية ملاعب؛ بينما استقبل أولمبياد باريس 2024 قرابة 11.2 مليون زائر موزعين على أسابيع ومنطقة جغرافية واسعة. في المقابل، يتجلى الإبداع السعودي في إدارة حشد يقارب المليوني شخص يتحركون simultan­eously داخل مساحة جغرافية محدودة وزمن لا يتجاوز بضعة أيام. além dos números، تظهر القوة الحقيقية في التفاصيل الإنسانية والروحية: رجل أمن يظلّ حاجّة مسنّة من الشمس، وآخر يحمل مسنّاً ويقبّل جبينه، ومتطوعون يتركون بيوتهم لمساعدة مريض أو guiding a lost person. تلك اللحظات العابرة التي نادراً ما تتصدر العناوين تبقى في ذاكرة الحاج وتشكل صورة ذهنية لا يمكن للحملات الإعلانية شراؤها.

استثمار النجاح كأصل استراتيجي

لا يجب أن يُطوى هذا النجاح بمغادرة الحجاج؛ بل هو أصل اتصالي واستراتيجي يُستثمر عبر مسارات مختلفة.

– إنسانة التقنية والريادة السعودية: يُبرز الوجه الإنساني لأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحج، مثل “روبوت وقاية” الذي يتحدث بـ97 لغة لتفكيك الحواجز الثقافية، ويتكامل مع ابتكار الأخصائية السعودية زهراء السيهاتي لبرنامج يتنبأ بحركة ملوثات الهواء عبر الذكاء الاصطناعي. ومن صور هذا التوظيف الإنساني للتقنية لحماية ضيوف الرحمن تظهر الخرائط الحرارية التي تمنع التدافع، والأساور الذكية وروبوتات الإطفاء التي تسهم في رفع مستويات السلامة.

– تصدير “النموذج السعودي” للعالم: تبرز أهمية مواصلة الترويج لهذا النموذج إعلامياً على المستوى العالمي عبر مواد فلمية وثائقية وسينمائية، وعبر تقديم دراسات حالة للجامعات ومراكز الأبحاث العالمية، مما يعزز مكانة المملكة ويؤكد جاهزيتها لاستضافة كبرى الفعاليات المستقبلية كإكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034.

– سفراء الحج الرقميون: التواصل الفعّال مع الحجاج وبعض المؤثرين وتوفير مواد احترافية تبرز الجانب الإنساني، ليشاركوا شهاداتهم العفوية ويصنعوا مجتمعاً رقمياً يروي قصة نجاحنا بلسان العالم، ويعودون إلى أوطانهم سفراء غير رسميين ينقلون إلى العالم تجربة روحانية وإنسانية متميزة عاشوها بأنفسهم.

إن الحج لم يعد مجرد موسم سنوي ناجح، بل أصبح نموذجاً سعودياً متجدداً يجمع بين قدسية الرسالة وكفاءة الإدارة وعمق البعد الإنساني. وبقيادة حكيمة رشيدة تتمثّل في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان، يتجدد هذا النموذج عاماً بعد عام، ليؤكد قدرة المملكة على تحويل شرف خدمة ضيوف الرحمن إلى تجربة روحانية إنسانية وتنظيمية استثنائية. الاستثمار في هذا الأصل الاستراتيجي يتمثّل في مواصلة تحويل هذا النجاح المتجدد إلى سردية عالمية مستدامة؛ تُروى بلغات العالم المختلفة، وتُقدَّم بوصفها نموذجاً إنسانياً وتنظيمياً فريداً؛ لترسّخ صورة ذهنية إيجابية نحمد الله عليها، ونحدّث الآخرين بنعمتها.

للنشر و الاعلان