عاجل
٥ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 21 يوليو 2026
الرياض +21°C

من القياسات اليدوية إلى الذكاء الاصطناعي: رحلة تحول قطاع الأرصاد السعودي

21/07/2026 13:16

شهد قطاع الأرصاد الجوية في المملكة العربية السعودية تغييراً جوهرياً على مدى العقود الأخيرة، حيث انتقل من الاعتماد على أدوات القياس التقليدية والتقارير الورقية إلى نظام رقمي متكامل يدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والنماذج العددية والبيانات الفضائية. ويأتي هذا التطور في إطار الجهود الرامية إلى تحسين دقة التوقعات الجوية والحفاظ على الأرواح والممتلكات، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030.

بدايات متواضعة ثم تطور مؤسسي

انطلقت مسيرة الأرصاد الجوية في المملكة خلال خمسينيات القرن العشرين عبر محطات رصد بسيطة كانت تتمركز في المطارات الرئيسية وتعتمد على أجهزة قياس تقليدية. ومع مرور الوقت، تطورت هذه المسيرة عبر مراحل مؤسسية متعددة، شملت إنشاء مديريات وإدارات متخصصة، وصولاً إلى تأسيس مصلحة الأرصاد الجوية، التي تحولت لاحقاً إلى مصلحة الأرصاد وحماية البيئة في عام 1981، وذلك لتلبية احتياجات قطاعي الطيران المدني والملاحة الجوية المتنامية.

نقلة رقمية وتوسع في الخدمات

مع تزايد الحركة الجوية والاحتياجات التنموية، أُنشئت مصلحة الأرصاد وحماية البيئة كأول جهة حكومية متخصصة في هذا المجال، وتولت مهمة إنشاء محطات الرصد وجمع البيانات المناخية وإعداد النشرات الجوية، مع تعزيز جوانب الرصد البيئي. وفي عام 2001، تحولت المصلحة إلى الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، وشهدت المملكة خلال هذه الفترة توسعاً في شبكة محطات الرصد وتحديث أجهزة القياس، بالإضافة إلى إدخال أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، مما ساهم في رفع كفاءة التنبؤات الجوية.

شكل تحويل الرئاسة العامة إلى الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة في عام 2016 نقطة تحول مهمة، إذ توسعت خدمات الرصد الرقمي، وأُطلقت الخدمات الإلكترونية، ورُبطت البيانات المناخية بشبكات رقمية متقدمة. كما تم تطوير قواعد البيانات والنماذج العددية، وأتمتة عمليات التحليل وإصدار النشرات الجوية.

تأسيس المركز الوطني للأرصاد

بعد صدور قرار مجلس الوزراء في عام 2019 بإنشاء المركز الوطني للأرصاد، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي والتقني. يركز المركز على بناء منظومة رقمية متقدمة تضم شبكة واسعة من محطات الرصد الآلية ورادارات الطقس ومحطات الرصد البحرية والجوية، مع الاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية العالمية والنماذج العددية عالية الدقة لتقديم توقعات أكثر دقة.

ويُعد المركز الوطني للأرصاد نموذجاً للتحول الوطني، حيث قاد رحلة الانتقال من الرصد اليدوي إلى الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة الأداء وتحليل البيانات الضخمة، مما رفع دقة التوقعات الجوية وسرعة إصدار الإنذارات، ودعم القطاعات الحيوية بالمعلومات المناخية.

الاستمطار الصناعي والابتكار التقني

يُعد برنامج الاستمطار الصناعي أحد أبرز مظاهر التحول التقني في قطاع الأرصاد بالمملكة، حيث يجمع بين علوم الأرصاد الجوية والطيران والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لزيادة فرص هطول الأمطار وتعزيز الموارد المائية. يعتمد البرنامج على تحليل دقيق للحالات الجوية باستخدام بيانات الأقمار الصناعية والرادارات والنماذج العددية، وتنفيذ طلعات جوية لطائرات مجهزة تطلق مواد صديقة للبيئة لتحفيز تكاثف بخار الماء.

وفي هذا السياق، ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجوية في الوقت الفعلي، وتحديد أفضل المواقع والأوقات لعمليات البذر، مما رفع كفاءة البرنامج وعظّم الفائدة منه.

دعم التنمية والاستدامة

تواصل الأرصاد الجوية في المملكة تطوير نماذج وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، مما يعزز استقلالية المملكة في إنتاج توقعات جوية عالية الدقة. وتؤدي البيانات المناخية دوراً رئيسياً في دعم قطاعات الطيران والزراعة والطاقة وإدارة المياه والسياحة والدفاع المدني، بالإضافة إلى تخطيط الموارد ومواجهة آثار التغير المناخي.

يُذكر أن المملكة أصبحت لاعباً إقليمياً ودولياً فاعلاً في مجال الأرصاد، من خلال مشاركتها في المبادرات والبرامج العالمية، وتطوير بنيتها التحتية وفق أفضل الممارسات الدولية، مما يعزز مكانتها الرائدة في علوم الأرصاد والمناخ، ويدعم التنمية المستدامة وحماية الأرواح والممتلكات.