عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

تقليد وداع الحاج في جازان: من القوافل إلى الطائرات

22/05/2026 03:02

أوضح عريفة قبائل الصبانية وكبير عشيرة الحكامية بمحافظة الدرب الشيخ علي بن الحسين قاسم لصحيفة “الوطن” أن موقع الدرب على الساحل جعلها على مرّ القرون محطة رئيسية للحجاج والتجار والقوافل، ومكاناً لتلاقي القبائل وتبادل المصاحبة والجوار، لتصبح بوابة جازان الشمالية نحو عسير ومكة المكرمة.

تحضيرات الحاج والرفقة الصالحة

وأشار القائم على المقابلة إلى أن الحاج قديماً كان يبدأ استعداداته قبل أشهر من موعد الانطلاق، فيختار “الرفقة الصالحة” نظراً لخطورة الطريق، ويجهّز المؤن والجمال التي كانت وسيلة النقل الأساسية في ذلك الوقت.

وداع الحاج: طقوس اجتماعية مؤثرة

كان وداع الحاج مناسبة اجتماعية ذات طابع عاطفي، يشارك فيها النساء والأطفال، وتُرفع الأهزوجات في منزل الحاج مصحوبة بمشاعر الفخر والحزن. من أشهر هذه الأهزوجات:

«يوم تحبيل القعادة
كانت أيام السعادة
والجميع في سرور»

و”القعادة” هو كرسي خشبي يُصنع من الدوم وسعف النخل، يجدد نجاره حباله قبل السفر، ويُعد رمزاً لمكانة الحاج؛ فلا يُسمح لأحد بالجلوس عليه حتى يعود سالماً.

قوافل الحج والمسار الصعب

يذكر القاسم أن القوافل كانت تنطلق في منتصف شهر شوال لتصل إلى يوم عرفة، وكان الحجاج يحملون معهم السمن والبر واللبن المجفف، إلى جانب أكلة “الشمير” المصنوعة من القمح والدخن الممزوجين بالسمن وزيت السمسم. لم تكن الرحلة سهلة؛ فقد واجه الحجاج عورة الطرق الرملية، ندرة القرى، تقلبات الطقس من أمطار مفاجئة ورياح شديدة، إلى جانب الأمراض والإرهاق. واسترجع القاسم حكايات جدته وعددًا من أهالي الدرب الذين خاضوا تلك الرحلات بصبر ومشقة.

الأهازيج والهدايا عند الوداع والعودة

كان الأطفال يودعون الحجاج بأهازيج شعبية متوارثة، منها:

«يا حاج حج مكة
وجب لنا معك صنبراني
يا حاج حج مكة
وجب لنا معاك زعفراني»

وعند عودة الحاج، يحمل معه “الصنبران” وهو مزيج من البخور والعطور، إضافة إلى السبح والخواتم والهدايا التي تُوزّع على الجيران والأقارب. تستقبل النساء الحجاج بالحناء والفل والبخور احتفالاً بسلامة وصولهم.

المبشر ودوره قبل وصول القوافل

يؤكد القاسم أن الحج قديماً لم يكن مجرد رحلة دينية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تعكس قيم التكافل والصبر والاعتماد على الذات، لذا كان الحاج يحظى بمكانة مرموقة بعد عودته. وكان “المبشر” يسبق القوافل من مشارف القحمة إلى الدرب ليُخبر الأهالي بسلامة الحجاج، مردِّداً: “يا مبشر حث ساقك” خاصةً عند عبور المواقع الوعرة التي كانت تُشكل خطراً على القوافل آنذاك.

من القعادة إلى الطائرة

يُلاحظ القاسم أن اختفاء القوافل البرية ووسائل السفر التقليدية لم يُغيّر كثيراً من مظاهر الحج التقليدية؛ إذ ما زالت الأهازيج والقصص الشعبية حاضرة في المجالس والذاكرة الجماعية. ومع تطور المملكة، تحولت رحلة الحج من المشقة إلى الرفاهية عبر الطرق المعبّدة، والطيران، وقطار المشاعر، والخدمات الصحية، والسكن المريح، والمشروعات المتطورة التي ساندتها الدولة لخدمة ضيوف الرحمن. بين “القعادة” والطائرة، وبين “زاد الشمير” ووجبات الفنادق، يبقى المعنى واحداً لدى أهالي جازان: الحج عبادة عظيمة، والذكريات القديمة تراث يروي تفاصيل زمن صاغه الصبر والإيمان.

للنشر و الاعلان