عاجل
٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الخميس، 23 يوليو 2026
الرياض +16°C

ما وراء كرسي المخرج: رؤية شاملة لصناعة الفيلم

23/07/2026 01:01

الصورة الشائعة للمخرج

يظهر كرسي قماشي قابل للطي يحمل كلمة Director على ظهره كرمز شائع لمهنة الإخراج؛ يتخيل الكثيرون حتى من لم يزوروا موقع تصوير أن هذا الكرسي يوضع خلف الكاميرا ويجلس عليه المخرج لمتابعة المشهد بينما تنفذ باقي الأقسام مهامها.

لكن الحقيقة أن صاحب هذا الكرسي لا يثبت في مكان واحد؛ فهو دائم التحرك بين المواقع والأقسام.

ما وراء أبواب السوق

عندما ينظر المرء إلى مهرجان كان السينمائي من خلال الصور التي تنشر في وسائل الإعلام، يرى شاطئًا يطل على البحر، يخوتًا تملأ المرسى، مقاهي وصالات طعام نابضة بالحياة، واجهات فاخرة وطوابير تنتظر مرور نجوم على السجادة الحمراء؛ مشهد يمكن لأي شخص تخيله حتى لو لم تطأ قدمه المدينة أبدًا.

لكن بمجرد عبور أبواب سوق الأفلام يختفي ذلك الوصف تمامًا، словно أُغلق الستار خلفك؛ تمتد أجنحة العرض بلا نهاية وتختفي الملصقات تحت أكاليل الجوائز المطبوعة عليها، بينما تتقاطع اجتماعات وغرف عرض صغيرة في كل اتجاه.

عندما تقف أمام أحد الملصقات لتتأمله، يظن أحد مسؤولي الجناح أنك موزع أو مشتري محتمل مستعد لشرح الفيلم أو تقديم ملفه؛ لا أحد هناك يبحث عمن يعجبه الفيلم، بل عمن يستطيع أن يأخذه إلى مكان آخر؛ وأكثر من رأيتهم لم يكونوا ممثلين ولا مخرجين، بل منتجين، ووكلاء بيع، وموزعين، ومستثمرين، وهيئات أفلام، وأشخاص كرسوا حياتهم لما يحدث بعد أن تنتهي مهمة المخرج.

الأقسام التي غيرت التصور

كنت أدرك أن للفيلم حياة بعد انتهاء التصوير، لكنني لم أتخيل مدى اتساع ذلك العالم ولا أهمية ما يأتي بعد أن يقول المخرج آخر cut؛ فكل ما يلي تلك اللحظة يمتد بعيدًا عن كرسي المخرج.

أول قسم غير صورة الذهاب إلى الذهن كان المونتاج؛ ربما لأنني أتيت من خلفية برمجية وجدت متعة غير متوقعة في قضاء ساعات أمام اللقطات؛ أقدّم هذه ثانية، وأؤخر تلك ربع ثانية، وأجرب احتمالًا بعد آخر؛ لم أكن على خلاف أصدقائي أستعجل نهاية هذه المرحلة، بل كنت أتعمد أن تطول.

يُذكر أن الفيلم يمر بثلاث مراحل كتابة؛ أولها على الورق، وثانيها عبر العدسة، وثالثها في غرفة المونتاج؛ وما جذبني ليس مجرد إعادة ترتيب اللقطات، بل ولادة الحكاية من جديد؛ هناك لا يبحث المونتير عن لقطة أجمل، بل عن شعور أصق وإيقاع يجعل المشاهد ينسى أنه يشاهد مئات اللقطات المنفصلة ويؤمن أنه يعيش قصة واحدة؛ الكرسي لم يخبرني أن المخرج لا يترك الفيلم عندما يغادر موقع التصوير، بل يبدأ، بطريقة مختلفة، في كتابته من جديد.

ثم جاء التمثيل؛ رغم أن الوقوف أمام الكاميرا لم يكن يومًا ما أسعى إليه، بل ربما كنت آخر من يناسبه، فإن فهم آليات أداء الممثل أصبح جزءًا أساسيًا من رؤيتي للإخراج؛ كلما ازدادت معرفتي بطريقة بناء الأداء، ومدارس التمثيل، والرحلة التي يمر بها الممثل، أصبحت أقدر على معرفة ما إذا كان يقدم ما أبحث عنه، أو حتى ما هو أفضل منه لخدمة الرؤية الكاملة للعمل.

وكان هناك أيضًا نمط يلاحظ كلما أعيد مشاهدة الأفلام التي أثرت فيّ؛ كثير من مخرجيها بدأوا مسارهم كممثلين؛ ما لفت انتباهي ليس تعلّمهم للكاميرا لاحقًا، بل فهمهم للإنسان قبل أن يواجهوا العدسة.

بالإضافة إلى ذلك، أدركت أن الكرسي يخفي بعدًا آخر من العمل؛ إذ لا يكتسب المخرج من تخصصه الأصلي مهارة منفردة، بل يكتسب منظورًا شاملًا لكيفية النظر إلى الفيلم.

يجلب الكاتب إلى ميدان الإخراج حس السرد؛ ويجلب الممثل حس الإنسانية؛ ويجلب المونتير حس الإيقاع؛ يضيف كل قسم إلى المخرج عنصرًا لا يمكن اكتسابه من خلال المراقبة فقط خلف الكاميرا.

ثم جاء الصوت؛ كثيرًا ما نردد أن نصف الفيلم هو صوت، لكن هذه الجملة لا تُظهر معناها الحقيقي إلا عندما ترى حجم العمل الذي يبقى غير مرئي إذا أُنجز كما ينبغي؛ تفاصيل، احتياطات، خطط بديلة، وقرارات لا ينتبه إليها المشاهد لأنها نجحت في أن تبدو طبيعية؛ عندما يخرج المشاهد من الفيلم دون أن ينتبه للصوت، فغالبًا لأن أحدًا بذل جهدًا هائلًا كي لا يلحظه.

وهذا أيضًا لم يخبرني به ذلك الكرسي؛ فهو لا يختزل مسؤولية المخرج وحده، بل يختزل كذلك حجم الجهد الذي تبذله بقية الأقسام حتى يبدو العمل متماسكًا كما لو أنه خرج إلى الوجود من تلقاء نفسه.

وربما لهذا السبب، لا يحتاج المخرج أن يكون أفضل شخص في أي قسم، لكنه يحتاج أن يكون الشخص الوحيد القادر على فهم الجميع؛ يجب أن يفهم الممثل قبل أن يوجهه، وأن يناقش مدير التصوير بلغته، وأن يعرف متى يطلب من مهندس الصوت المستحيل ومتى يتراجع، وأن يفهم المنتج حين يقلق، وأن يتحدث مع المستثمر عندما يتردد، وأن يقنع الموزع قبل أن يقنع الجمهور؛ ليس لأنه سيصبح واحدًا منهم، بل لأن كل واحد منهم يحمل قطعة من الفيلم بينما يحمل المخرج الصورة الكاملة.

المخرج كحلقة وصل

وبالتالي، كلما رأيت ذلك الكرسي القماشي المكتوب عليه Director، بدأت أتخيل شكلًا مختلفًا له؛ سأحافظ على شكله الأصلي لأنه جزء من تراث السينما، لكنني سأزوده بعجلات أجعله يدور ثلاثمائة وستين درجة؛ فالإخراج لا يُحصَل من وجهة نظر واحدة.

*مخرج ومنتج سعودي ومستشار في الاتصال المؤسسي والثقافي.