عاجل
٣ محرم ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 19 يونيو 2026
الرياض +22°C

التسامح في الحكم: دروس من عمر بن الخطاب والمتنبي في ثقافة طلب العذر

تُنسب إلى عمر بن الخطاب الجليل القول: «أعقل الناس أعذرهم للناس». تحمل هذه العبارة بين سطورها فلسفة رواقية عميقة، تتجلى في سلوك الأشخاص ذوي الفطنة والروح الرفيعة، حيث يفضّلون طلب العذر للآخرين على إدانتهم الفورية.

ثقافة طلب العذر وأثرها

تُظهر العبارة أن حجم عقل الإنسان يُقاس بمدى حرصه على استدعاء العذر للآخرين قبل أن يلجأ إلى انتقادهم. إن ذلك يُظهر قدرة النفس المتزنة على تجاوز الموقف، وإمعان النظر في أبعاده المتعددة ودوافعه، مع الإيمان بأن الخطأ غالبًا ما يكون ناتجًا عن جهل وليس عن نية سيئة.

منهج الفهم قبل اللوم

بدلاً من الانقضاء في إصدار أحكام سريعة، يُنصح بفحص السبب وراء الفعل، سواء كان واضحًا أو خفيًا. إذا كان السبب ظاهرًا، يجب توجيه الطرف الآخر بدلاً من الهجوم عليه؛ وإن كان خفيًا، فالسعة في القلب تدعو إلى طلب العذر.

التحذير من الغضب المتسرع

الانغماس في الغضب أو التسرع في الحكم يُظهر ضيقًا في النفس وتجمّدًا في العقل، وهو ما عكسه المتنبي في قصيدته: «ومن يكون ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجد مرًّا به الماء الزلالا». فالمرارة لا تكمن في الماء، بل في الفم المريض، وهو تشبيه يوضح أن الحكم السريع هو مرض داخلي.

الرواقية وإيقاف الحكم

في الفلسفة الرواقية يُستشهد بمفهوم الإبوخية أو «تعليق الحكم»، وهو دعوة إلى التريث قبل بناء القناعات. يُحَث هذا المبدأ على استكشاف جوانب المسألة وتقدير حدود معرفتنا، ما يخفف من التوتر ويسمح بتقييم أعمق قبل اتخاذ أي قرار.

يختتم أبو العلاء المعري رسالته بالدعوة إلى كبح الغضب واللوم، وتذكرنا بأهمية طلب العذر لأن الخطأ قد يخفي وراءه مبررات لا نعلمها: «لكَ اللهُ لا تَذْعَرْ وليّاً بغضبةٍ لعلَّ له عذراً وأنتَ تلومُ».

للنشر و الاعلان