في كتابه “العاقل” يسلّط يوفال هراري الضوء على فكرة محورية مفادها أن تفوّق الإنسان لم يكن نتيجة لقوّته الجسدية، بل بفضل قدرته على بناء معاني مشتركة مع الآخرين، معتمداً عليها في سعيه وتطوره. فالحضارات، بحسب هراري، لا تُختصر في تجمعات بشرية فحسب، بل تتكوّن من أفكار وقيم وسرديات منحت أعضائها شعوراً بالانتماء ودافعاً للتحرك.
منظور جديد لتفسير المؤسسات
تكمن قيمة هذه الرؤية في امتدادها إلى فهم طبيعة المؤسسات في الوقت الحاضر. فالأفراد لا يرون في الهياكل التنظيمية مجرد مبانٍ أو أطر إدارية، بل يتعاملون معها وفق ما تجسده من قيم ورسائل وأدوار في وعيهم. ومن هذا المنطلق، يُعَدّ الإعلام أحد أبرز الأدوات التي تُشكِّل هذه المعاني وتمنحها حضوراً وتأثيراً ملموساً.
التحدي الحقيقي للمؤسسات
من خلال خبرتي في مجال الإعلام والاتصال المؤسسي، توصلت إلى أن الصعوبة الأكبر التي تواجهها المنظمات لا تكمن في نقص الإنجاز، بل في قصور تفسيره. فالمشروعات قد تُنجَز وتتحقق المبادرات، غير أن جزءاً من أثرها يضيع عندما تُقدَّم كأنشطة مفككة لا تجمعها رواية واضحة أو هوية موحدة.
من الإعلام كوظيفة إلى الإعلام كاستراتيجية
من هنا بدأت أرى الإعلام ليس مجرد وسيلة للنشر والتغطية، بل كوظيفة استراتيجية تهدف إلى بناء الفهم وصياغة القيمة. فالمؤسسة تُقاس ليس فقط بما تُنجزه، بل بقدرتها على تحويل تلك الإنجازات إلى معانٍ واضحة ومستدامة في أذهان المجتمع.
مفهوم “هندسة المعنى”
ينبثق من ذلك مفهوم “هندسة المعنى” الذي لا يعني إنتاج محتوى أكثر، بل إقامة صلة بين ما تقوم به المؤسسة وما يدركه الجمهور عنها. إنه القدرة على تحويل الرؤية إلى قصة، والاستراتيجية إلى تجربة، والمبادرات إلى أدلة حية تعكس هوية المؤسسة.
في مجال الإعلام التنموي، يكتسب هذا الدور أبعاداً أوسع؛ فالتنمية لا تُقاس بأرقام أو مؤشرات أداء، بل بتغيّر حقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات. وبالتالي يصبح الإعلام هو الأداة التي تفسّر الأثر، وتبرز القيمة، وتربط النتائج بالهدف الأكبر للمؤسسة.
تظهر التجربة أن أكثر المؤسسات تأثيراً ليست بالضرورة الأكثر إنفاقاً على الإعلام، بل الأكثر وضوحاً في رسالتها. عندما تكون لدى المؤسسة رؤية مفهومة، ورسالة متماسكة، وسردية قادرة على تفسير إنجازاتها، تتحول كل أنشطتها إلى قطع من صورة موحدة يسهل على المجتمع استيعابها والتفاعل معها.
في الختام، لا تُخلَّد المؤسسات بكمية مواردها أو حجم مشروعاتها فحسب، بل بالمعنى الذي تضفيه على تلك الإنجازات. فالتاريخ لا يخلِّد الحضارات بسبب كثرة ما بنَت، بل بفضل الأفكار التي مثلتها. وهنا يتجلى الدور الحقيقي للإعلام: ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع للإدراك، ومهندس للمعنى، ومعماري للهوية.






