بعد انتهاء مراسم تدشين الكتاب، والتقاط الصور التذكارية، وتوقيع النسخ، وتبادل التهاني، ونشر أخبار المناسبة عبر وسائل الإعلام، يطرح السؤال الأهم: ماذا بعد؟
هنا تبدأ القضية الجوهرية التي تستحق وقفة شفافة؛ فالكتاب لا تنقضي مهمته بمجرد مغادرة الكاتب منصة التدشين، بل تنطلق رحلته الفعلية حين يصل إلى يد قارئ لا يعرف مؤلفه، ولا تجمعه به صلة شخصية، ويفتح صفحاته بحثاً عن فكرة أو معرفة أو متعة تستحق الوقت الذي سيمنحه للقراءة.
بعد انتهاء الحفل: أين يذهب الكتاب؟
لا ضير في الاحتفاء بالكتاب، بل إن ذلك جزء أساسي من المشهد الثقافي، ويمنح الكاتب تقديراً يستحقه، ويعرّف الجمهور بالإصدار الجديد. لكن المشكلة تبرز عندما تصبح لحظة التدشين هي ذروة حضور الكتاب ونهايته في آن واحد، وكأن الغاية محصورة بهدف محدد ومؤقت.
كثير من الإصدارات تبدأ بحضور لافت، ثم تختفي سريعاً من المشهد؛ ينتهي الحفل، وتنتهي التغطية، وتعود النسخ إلى الأرفف، بينما لا يجد الكتاب مساحة كافية للحوار والنقد والقراءة الحقيقية.
لذلك نحتاج إلى الانتقال من ثقافة الاحتفاء بالكتاب إلى ثقافة متابعة الكتاب.
دور المؤسسات الثقافية والإعلام في إطالة عمر الكتاب
يمكن للمؤسسات الثقافية أن تجعل لكل إصدار حياة تمتد بعد صدوره؛ من خلال تنظيم جلسات قراءة ومناقشات نقدية، واستضافة الكتاب في برامج ثقافية متخصصة، وإتاحة مساحات للقراء لمناقشة محتواه بعيداً عن المجاملة. ويمكن للجمعيات والمؤسسات الأدبية وأندية «هاوي» والصالونات الثقافية والجامعات أن تبنى برامج شهرية تختار فيها إصدارات جديدة وتمنحها فرصة حقيقية للقراءة والنقاش.
كما أن الإعلام يستطيع أن يؤدي دوراً أكبر في هذه الرحلة؛ فالخبر الذي يعلن صدور الكتاب مهم، وتغطية حفل التدشين مهمة، لكن الأهم أن يبقى الكتاب حاضراً بعد ذلك من خلال مراجعات نقدية، وحوارات مع المؤلفين، وقراءات جادة تكشف ما في الكتب من أفكار وقضايا، لا أن تكتفي بتكرار عبارات الإشادة بالكتاب رغم عدم معرفتها بمحتواه.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التطور الذي يشهده قطاع النشر والثقافة في المملكة؛ فقد أسهمت هيئة الإعلام المرئي والمسموع في تطوير البيئة التنظيمية للإعلام، وتيسير الإجراءات المرتبطة بالمحتوى والنشر الإعلامي، بما يعكس سرعة التحول في التعامل مع احتياجات صناعة المحتوى.
كما تقوم هيئة الأدب والنشر والترجمة بدور مهم في تعزيز حضور الكتاب وصناعة النشر، من خلال البرامج والمبادرات التي تدعم الأدباء والناشرين، وتوسع دائرة الوصول إلى الكتاب، إلى جانب الحضور الكبير لمعارض الكتاب وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي تحول إلى موعد ثقافي ينتظره القراء والناشرون، وأصبح منصة تلتقي فيها صناعة النشر مع الجمهور، إضافة إلى بقية معارض الكتاب في مناطق المملكة التي أسهمت في تقريب الكتاب من شرائح مختلفة من المجتمع.
لكن هذا الحراك الكبير يطرح سؤالاً آخر: كيف نستثمر الزخم الذي تصنعه المعارض والتدشينات في بناء قارئ مستمر طوال العام؟
ربما نحتاج إلى مبادرات تتجاوز موسم المعرض، مثل قوائم شهرية للإصدارات السعودية الجديدة، وبرامج كتاب الشهر، ومنصات تجمع القراء بالكتب والمؤلفين، وتشجيع الجامعات والمدارس والمكتبات على تخصيص مساحات للإصدارات المحلية، إلى جانب دعم المراجعات النقدية التي تمنح الكتاب فرصة ثانية للوصول إلى القارئ.
مسؤولية الناشر والكاتب في استمرار الحوار
كما يمكن للناشر أن يتحمل جزءاً من المسؤولية؛ فدوره لا ينبغي أن ينتهي بخروج النسخة من المطبعة؛ فالناشر شريك في صناعة الكتاب، ومن مصلحته أن يبقى الإصدار حاضراً، وأن يجد طريقه إلى القراء، وأن يكتشف له مساحات جديدة في المكتبات والمنصات والفعاليات، لا أن ينتهي دوره بمجرد الانتهاء من طباعة الكتاب وتسليمه للمؤلف.
والكاتب أيضاً أمام مسؤولية مختلفة ومهمة؛ فصدور الكتاب ليس محطة للحصول على التهاني ثم الانتقال إلى مشروع جديد، بل فرصة للدخول في حوار حقيقي مع القراء والنقاد. فالكتاب الذي لا يملك صاحبه استعداداً لمناقشته قد يتحول سريعاً إلى مجرد عنوان في قائمة الإصدارات، والفاجعة أن بعض الكتاب يهمهم عدد إصداراتهم أكثر من قيمة محتواها، طالما أن التكلفة زهيدة وعدد النسخ محدود.
الحراك الثقافي السعودي: من الاحتفاء إلى المتابعة
لقد قطعت المملكة خطوات مهمة في بناء صناعة نشر أكثر تنظيماً وحضوراً، وتنامت قيمة الكتاب في المشهد الثقافي بفضل المعارض والمبادرات والبرامج المتخصصة. وما نحتاجه الآن ليس المزيد من لحظات الاحتفاء فقط، وإنما المزيد من المشاريع التي تمنح الكتاب عمراً ثقافياً أطول وحضوراً أقوى.
فالنجاح الحقيقي للكتاب لا يبدأ عند حفل التدشين، ولا ينتهي بخروج آخر صورة من المناسبة.
هناك، بعد انتهاء الحفل، تبدأ الرحلة الأهم: أن يجد الكتاب قارئه، وأن يجد القارئ فيه ما يستحق أن يبقى، وهذا يحتاج أن يقوم الجميع بدورهم بعد صدور الكتاب وبعد حفلات التدشين.






