عاجل
٢٩ صفر ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 14 أغسطس 2026
الرياض +19°C

فوكو يفكك الذات الحديثة بين النماذج الديكارتية والثورية والسلطة المؤسسية

14/08/2026 01:02

في تحليله لتأويل الذات، يميز ميشيل فوكو بين نموذجين للذات: نموذج حقيقي وآخر مجازي. فالنموذج ما قبل السقراطي يمثل الواجب الحقيقي، في حين أن النماذج المسيحية والأفلاطونية هي واقعية مجازية بحسب تصوره. ثم ينتقل فوكو إلى عصر الحداثة ليرسم نموذجين آخرين: النموذج الديكارتي والنموذج الثوري، وكلاهما مجازي واقعي أيضاً.

الذات الديكارتية والثورية: قطيعة بين المعرفة والممارسة

النموذج الديكارتي، المنسوب إلى الفيلسوف ديكارت، يعتمد على قاعدة “أنا أفكر إذن أنا موجود” لمعرفة الذات عبر التفكير، مستخدماً تقنية معرفة الذات. لكن فوكو يرى أن ديكارت اكتفى بمجرد المعرفة دون الممارسة الحقيقية، فالذات هنا ليست ممارسة تربوية-روحية عملية، بل هي معرفة فقط. وقد أثر هذا النموذج بعمق على مسار الفلسفة في زمن الحداثة.

أما النموذج الآخر فهو الذات الثورية، التي انبثقت من الحدث السياسي الفرنسي، وتمثل ذاتاً تمارس دون معرفة الذات. وكأن فوكو يشير إلى أن الحداثة في جوهرها تفصل بين النظر والممارسة، مما أنتج نموذجين منفصلين: الديكارتي المعرفي والفرنسي-السياسي الثوري. هذه النماذج هي تشكيلات خطابية نابعة من علاقات القوى، وتنتج خطاباً غير حقيقي لأنها ذوات غير حقيقية بل مجازية، وهي التي مثلت الذات الحديثة. ويلاحظ هنا أن فوكو يرسم نماذج للحداثة الغربية عامة انطلاقاً من واقع فرنسا، وهي ملاحظة قد تجد تحليلاً أوسع عند فابياني.

السلطة والمؤسسات: السجن والمصحة والمدرسة كعلاقات قهرية

دراسة نماذج الحداثة والنماذج المعاصرة تعني دراستها كخطابات قوى لذوات غير حقيقية غير محصورة في مكان وزمان، بافتراض التسليم بما قاله فوكو وإغفال التحيز لفرنسا. أي أنها نماذج سلطوية شكلت ذواتاً بخطابات سلطوية، وأعادت تشكيل المجتمع عبر المؤسسات مثل وسائل التعليم والتربية، بغرض الضبط وإنتاج المعرفة، وهذه هي علاقة السلطة بالمعرفة. وفق هذه النظرة، درس فوكو النماذج السلطوية في المؤسسات الحداثية: السجن (علاقة المسجون بالسجان)، والمصحة العقلية (علاقة المريض بالطبيب)، والمدرسة (علاقة التلميذ بالمعلم). ويرى أنها ليست هادية ولا مربية، لأن شرط القيادة أو الهداية أو التربية في العلاقات هو أن تكون علاقة تأثيرية بالاختيار، ولا تتطلب نمذجة وضبطاً، وتتوجه نحو الذات لا خدمة أغراض أخرى. هذه المؤسسات مبنية على علاقات قهرية: فعلاقة الطبيب بالمريض هي علاقة مؤثر مسيطر يأمر وينهى بلطف، لكن حقيقتها إعادة تشكيل المريض، وكذلك المدرسة والسجن… وهكذا.

العقل العلمي والجنسانية: الإنسان كموضوع للضبط والمراقبة

العقل العلمي في الحداثة الغربية هو في أصله عقل عملي مبني على سيادة العمل؛ إنه عقل توجيهي يضبط ويراقب وينتج لغرض ما، وليس عقل ممارسة للعناية بالذات. فالتذاوت أو خطاب التذويت غير موجود في هذه الحقبة الزمنية، لأنها تؤسس العلاقات الإنسانية على السلطة، وتهتم بالإنسان من حيث هو موضوع. لقد صيرت هذه الحقبة الإنسان موضوعاً للدراسة نتيجة لهذه التشظية من أجل إحكام الضبط والمراقبة، بتخصيص كل مجال إنساني بهذه العلاقات. فانبثقت علوم الإنسان وتنوعت للتعرف على الذات المراد ضبطها وما يعيق إنتاجيتها، والنظام القانوني للضبط الحاكم تشريعاً وتنفيذاً.

وفي كتابه “إرادة المعرفة: الجنسانية 1″، يظهر فوكو الخلفية الماركسية في التقديم والتحقيب والثنايا، مقارناً بين الحداثة والرأسمالية. فالسيادة للعمل في هذه الحقبة الحداثية منذ القرن السابع عشر الذي سماه بعصر القمع، وهي حقبة ترتبط بعمق بالنظام البرجوازي الذي يراقب الإنتاج وأنماطه، ومن ثم التحكم في حياة المنتجين من العاملين وما يرتبط به من التكاثر الداعم لسيادة العمل واستمرار الإنتاجية، والتكاثر المغرق للبيئة العمالية. عليه، مثل موضوع الجنس في هذه الحقبة علماً جديداً من أجل الضبط والمراقبة، لاستغلال قوة العمل بطريقة ممنهجة، والتصرف في المتع حسب دعمها للعمل والإنتاج أو العكس. الجنسانية أحد العلوم التي أنتجتها الحداثة في حقول العلوم الإنسانية من حيث إمكانية التحكم والضبط. فدراسته للجنس في زمن الحداثة تمثل عكساً لصورة هذا الزمن من حيث هو زمن قمعي يتخذ الإنسان موضوعاً.

النقد الماركسي وتوصيات منهجية

ولخلفيته التكوينية في الأنثروبولوجيا والتاريخ، حاول فوكو تقديم أطروحته الناقدة للرأسمالية، مصوراً المجتمع برؤية كونية شديدة الاختلاط بالماركسية، كما ثرب عليه إعجاز أحمد لتخليه عن أصالة الماركسية، دون أدوات منهجية ميدانية، بل بوثائق اتخذها وسيلة لتثبيت قفزاته غير المنهجية العلمية، ومن ثم تقديم رؤية وأدوات وأفكار دعمها فيما بعد الحضور الماركسي الثقافي الأكاديمي، وما زالت مستمرة حتى اليوم. حتى صار ما يسمى بنقد الحداثة يحتاج لتفكيك وسؤال أول: ما المقصود بالحداثة؟ أهي الرأسمالية؟ ومن هم نقاد الحداثة؟ أهم أصحاب الخلفيات الماركسية؟

وتوصية: إن الأطروحات المتكاثرة في استعمال أدوات ميشيل فوكو لا بد أن تعود لمؤسسات هذه الأدوات، من مفاهيم نحو الذات وخلفيات أيديولوجية كالماركسية.