عاجل
٩ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026
الرياض +22°C

منصة تجربة الزائر: مستقبل السياحة المتكاملة في دول الخليج

22/09/2026 11:03

منظور العلاقات والتكامل

لعبت شبكات العلاقات دوماً دوراً محورياً في قطاع الضيافة، حيث يعرف صاحب الفندق السائق الذي ينقل الضيوف، والمرشد يحدد المطاعم المناسبة، والإدرك أن التجربة المميزة تنشأ من تكامل كل التفاصيل وليس من عنصر منفرد.

على الرغم من أن أدوات السفر الحديثة سهّلت حجز الرحلات والإقامة، إلا أن السائح ما زال بحاجة إلى تنسيق العديد من الخدمات عبر منصات مختلفة: حجز الطيران، ثم الفندق، ثم النقل، ثم التذاكر والمطاعم، مما يحول الرحلة إلى أحجية يفقد فيها الزائر الراحة وتضيع الوجهة فرصاً تجارية.

منصة تجربة الزائر كحل تقني

في الوقت الحاضر (2026)، لم يعد مستقبل السياحة في دول الخليج مرهوناً ببناء منشآت جديدة أو توسيع القائم، بل بإعادة إحياء أحد أقدم أركان الضيافة العربية وهو بناء العلاقات، ثم توظيف التكنولوجيا لتطبيقها على نطاق واسع.

لا تقتصر هذه العلاقات على التعامل المنفرد مع الفنادق أو شركات الطيران أو الوجهات، بل تشمل أيضاً منصات الحجز والنقل التي تربطها بملايين العملاء. بدلاً من منافسة هذه المنصات، يمكن للوجهات الخليجية الاستفادة منها كوسيلة لربط جميع الأطراف في رحلة واحدة متكاملة دون أن يفقد أي شريك دوره.

بهذا المظهر تظهر فرصة إنشاء «منصة تجربة الزائر»، وهي واجهة موحدة تربط محطات رحلة المسافر وتمنح الوجهات رؤية شاملة لاحتياجات العملاء والفرص المتاحة لزيادة الإيرادات.

ببساطة، تُعد هذه المنصة نافذة رقمية يستطيع من خلالها الزائر—سواء كان داخل الدولة أو خارجها—استكشاف الخيارات المتاحة، وتخطيط رحلته، وحجز الخدمات، وتعرّف على الوجهات. قد تتخذ شكل تطبيق رقمي الآن أو وكيل ذكي في المستقبل.

إلى جانب التقنية، يبقى عنصر حاسم هو شبكة العلاقات والاتفاقيات التجارية التي تضمن قيمة مستدامة على المدى الطويل عبر تنسيق الخدمات المجزأة مثل الإقامة، والنقل، وتذاكر الفعاليات، والمطاعم، والتجارب المتنوعة.

من منظور عملي، تمثل المنصة النافذة التي تجمع بين منصات الخدمات المختلفة. تخيل عائلة تصل إلى إحدى دول الخليج؛ تبدأ رحلتها بحجز الفندق، ثم تنظم تلقائياً الانتقالات من المطار، وحجز تذاكر المتحف، والمطعم، والفعالية المسائية، وحتى خدمات رعاية الأطفال، وفقاً لبرنامج العائلة.

كل هذه الخدمات تُقدَّم عبر بطاقة رقمية واحدة أو رمز استجابة سريعة، بدلاً من أن تكون متناثرة بين تطبيقات متعددة، ورسائل بريد إلكتروني، وتأكيدات متكررة.

الغرض من المنصة ليس استبدال المنصات التي يثق بها الزوار، ولا تحويل الشركاء المحتملين إلى منافسين، ولا منازعة الأسواق التي طورتها الوجهات على مدار عقود، بل هو تعزيز الربط والتكامل بينها.

وبذلك تستمر المنصات الحالية في تقديم عروضها وإتمام الحجوزات وإدارة الخدمات المتخصصة، بينما تتولى المنصة الجديدة مهمة ربط جميع الخدمات التي يحتاجها الزائر وتمكين إجراء معاملات إضافية في مختلف مراحل الرحلة.

مقومات النجاح وتحديات المستقبل

من الناحية التجارية، تعتمد المنصات الحالية على الإحالات والحملات التسويقية لجذب العملاء؛ ويمكن لمنصة تجربة الزائر الاستفادة من هذه النماذج عبر تحصيل رسوم عند إتمام الحجوزات وإضافة قيمة من خلال ربطها بالخدمات المكملة، ما يشجع إنفاق الزوار على فئات إضافية ويعيدهم للاستخدام المتكرر.

كما يمكن أن تسهم المنصة في تنشيط السياحة الداخلية، إذ تمكّن السكان من معرفة وحجز الفعاليات، والمطاعم، وأنشطة الاستشفاء والترفيه، والرحلات القصيرة، ما يحافظ على الطلب خلال فترات تراجع السفر الدولي.

وقد أفادت وزارة السياحة في المملكة العربية السعودية بأن عدد السياح المحليين بلغ 93.3 مليوناً، مقابل 29.3 مليون سائح وافد في عام 2025.

تتميز الوجهات الخليجية بمقومات تُسهم في نجاح المنصة؛ فغالباً ما تحتفظ الحكومات والجهات المرتبطة بها بأصول رئيسية مثل شركات الطيران، والمطارات، والمتاحف، والنقل العام، والمؤسسات الثقافية، والمعالم السياحية البارزة، أو تتمتع بنفوز عليها أو القدرة على تنسيق جهودها.

كمثال، أطلقت أبوظبي «دليل الجزر والرياضات المائية» الذي يجمع أكثر من 200 جزيرة ضمن منصة واحدة. وكذلك طوّرت المملكة العربية السعودية منصة «نُسك» للحج والعمرة بهدف توحيد الخدمات المتعددة، وتضم الآن أكثر من 51 مليون مستخدم من أكثر من 190 دولة.

على الرغم من أن هذين المثالين لا يجسدان النموذج المتكامل لمنصة تجربة الزائر، إلا أنهما يوضحان كيف يمكن للتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص إنشاء نظام موحد من الخدمات.

مع تطور التكنولوجيا، سيستمر الذكاء الاصطناعي في تغيير مشهد السفر من حيث اكتشاف الوجهات وشراء الخدمات؛ ومع ذلك، فإن قيمة المنصة الأساسية تبقى في شبكة الاتفاقيات التجارية وما يرافقها من تنوع الخيارات، وآليات مشاركة البيانات، ومعايير تقديم الخدمات، والعلاقات مع الشركاء المختلفة.

لضمان الثقة، يلزم وجود إطار حوكمة واضح يمنح الشركاء assurance أن المنصة ستضيف قيمة دون الاستيلاء على عملائهم الحاليين، مع وضوح حقوق البيانات والمسؤوليات عند مشاركة جهات متعددة في تقديم تجربة واحدة.

يمكن أن تتولى جهة محايدة أو مدعومة من الدولة مهمة التنسيق على مستوى المنظومة، متبنية قواعد شفافة تحمي المصالح التجارية وتضمن تجربة متكاملة في كل وجهة.

في ظل الواقع المبعثر لتجربة السفر الحالية، تظهر أمام الوجهات الخليجية فرصة حقيقية لإعادة ربطها وتعزيز التكامل من خلال منصة تجربة الزائر.