بقلم : عبدالسلام صالح الطراونة
عندما يلامس الدين العام سقف خمسين مليار دينار متجاوزا مائة وعشرة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ويصبح استنزاف خدمة الدين واقعا يلتهم أكثر من ملياري دينار سنويا فإن رسالة الإنذار تكون قد بلغت مداها الواضح. إن إدارة المالية العامة لم تعد تحتمل تكرار الحلول التقليدية القائمة على التقشف المنكمش أو الاستدانة لسداد فوائد سابقة أو التوسع في ضرائب ترهق الأسواق وتكبح عجلة الإنتاج. إن ما نحتاجه اليوم هو نصيحة اقتصادية صريحة تنطلق من الانتقال الجذري نحو أدوات مالية غير تقليدية تكسر هذه الحلقة المفرغة وتحول عبء الالتزامات إلى محركات استثمارية حقيقية.
الدين الاجمالي و الدين الصافي
تبدأ الخطوة الأولى بالاعتراف بأن تصنيف الدين بين إجمالي وصافي لا يغير من جوهر المشكلة كثيرا حيث يستحوذ صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي على نحو اثني عشر مليار دينار كديون داخلية. النصيحة الأهم هنا هي تفكيك هذا الالتزام عبر نموذج مبادلة الدين بالملكية المعروف باسم Debt-to-Equity Swap. فبدلا من أن تظل مدخرات الأردنيين مجرد سندات تقبض الخزينة فوائدها من جيوب دافعي الضرائب يمكن تحويل جزء من هذه السندات إلى حصص وحقوق ملكية مباشرة في مشاريع بنية تحتية استراتيجية وشركات وطنية رابحة. هذا الإجراء يسقط مليارات الدنانير من رصيد الدين العام فورا ويحول مؤسسة الضمان من دائن نقدي مرهق للموازنة إلى شريك تنموي يتقاسم العوائد الاستثمارية الحقيقية.
وفي موازاة ذلك يتعين التوقف عن الاقتراض التجاري المباشر لتمويل المشاريع الرأسمالية والتحول بدلا من ذلك إلى توريق التدفقات النقدية السيادية عبر آلية Asset Monetization. إن عوائد المرافق اللوجستية وتراخيص الاتصالات والمطارات ومحطات الطاقة يمكن توريقها بصيغة صكوك إسلامية استثمارية مدعومة بالأصول وتطرح خارج الميزانية العمومية للحكومة بصيغة Off-Balance-Sheet Financing. بهذه الطريقة نؤمن سيولة فورية توجه حصريا لإطفاء السندات مرتفعة التكلفة دون تسجيل التزامات جديدة ترتب فوائد متراكمة على كاهل الخزينة العامة.
السندات و التحوط
كما أن التحوط ضد الصدمات الاقتصادية الإقليمية يستوجب إعادة النظر في طبيعة السندات المطروحة عالميا ومحليا. إن تبني الصكوك والسندات المرتبطة بمعدلات النمو الاقتصادي GDP-Linked Sukuk يمنح الموازنة متنفسا استراتيجيا في أوقات التباطؤ أو الأزمات غير المتوقعة حيث تتراجع خدمة الدين تلقائيا بتراجع النمو ولا يرتفع العائد إلا عند ازدهار النشاط الاقتصادي واتساع الإيرادات. ويتكامل ذلك مع إطلاق أداة مالية موجهة نحو المغتربين الأردنيين باسم Diaspora Investment Bonds بعوائد منافسة وضمانات واضحة تخصص أموالها قانونيا لتمويل خطوط الإنتاج والريادة لا لدفع رواتب ومصاريف جارية.
أما جوهر الابتكار المالي الذي ينبغي للأردن أن يتصدره إقليميا فيتمثل في آلية مبادلة الديون بالمناخ والطبيعة Debt-for-Climate Swaps. وتبرز جدوى هذا الحل بأبهى صورها عند تطبيقه المباشر على مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى المحافظات. يواجه هذا المشروع تكلفة رأسمالية ضخمة تمثل عبئا على التمويل الحكومي وفي الوقت عينه يحمل أهمية حيوية لمواجهة التغير المناخي والفقر المائي. من الناحية الاقتصادية يمتلك الأردن رصيدا كبيرا من الديون الثنائية لدى دول أوروبية ومؤسسات تنموية تضع مكافحة الجفاف وتمويل الاستدامة على رأس أولوياتها.
يقوم تحليل الجدوى المالية لهذه المبادلة على تنازل الدائنين الدوليين عن جزء من ديونهم الخارجية بالعملات الصعبة مقابل التزام الحكومة الأردنية بتحويل قيمة مساوية أو مخصومة بالدينار الأردني مباشرة نحو حساب صندوق تمويل الناقل الوطني.
يحقق هذا النموذج ثلاث فوائد هيكلية متزامنة:
الأولى هي إسقاط أصل الدين وفوائده بالعملة الصعبة مما يرفع الضغط عن الاحتياطي الأجنبي ويقلص عجز ميزان المدفوعات.
والثانية هي تمويل البنية التحتية للمشروع بأموال محلية دون خلق دين سيادي جديد يثقل الموازنة.
والثالثة تخفيض تكلفة المتر المكعب للمياه على المواطن والقطاعات الإنتاجية نظرا لغياب الفوائد المصرفية الربحية.
وتتعزز الجدوى بإمكانية دمج الطاقة المتجددة في عمليات الضخ والتحلية مما يمنح المشروع نقاطا ائتمانية خضراء تجذب منحا استردادية وضمانات دولية مجانية تخفض المخاطر الاستثمارية إلى مستوياتها الدنيا.
إن طريق الإنقاذ المالي لا يمر عبر الاستمرار في إدارة العجز بالمسكنات وإنما عبر إرادة صلبة تفصل فصلا كاملا بين اقتراض النفقات الجارية والاقتراض التنموي الرأسمالي.
يجب أن تكون القاعدة الصارمة للمرحلة القادمة هي منع اقتراض أي فلس لا يولد عائدا اقتصاديا يتجاوز كلفة سداده. وإذا ما تم استغلال المبادرات المناخية والشراكة الذكية مع أموال الضمان وتوريق الأصول فإن عبء الخمسين مليار دينار سيتحول من تهديد هيكلي يضغط على الدولة إلى فرصة تاريخية تعيد هندسة الاقتصاد على أسس إنتاجية صلبة ومستدامة.
عبدالسلام صالح الطراونة
رئيس مجلس ادارة الاتحاد الأردني
لشركات التأمين سابقاً






