عاجل
الأربعاء، 14 أكتوبر 2026٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 26°C

من المعرفة إلى الابتكار: تعزيز القدرة الوطنية عبر البحث والتطوير

14/10/2026 15:03

في ظل رؤية المملكة 2030، يزداد التركيز على تحويل المعرفة العلمية إلى اختراعات ومنتجات وحلول عملية تسهم في تنويع الاقتصاد، وتنمية القدرات الوطنية، وتعزيز استقلالية التقنية.

تحويل المعرفة إلى منتجات وطنية

كان موضوع المقال الذي نشرته صحيفة الجزيرة في 4 يوليو 2023 تحت عنوان «هل تصبح المملكة ضمن أفضل 5 دول في براءات الاختراع؟!»، ويشير إلى أن النقاش يجب أن يتجاوز مجرد عدّ براءات الاختراع إلى سؤال أعمق: كيف يُحوَّل البحث العلمي والأفكار المبتكرة إلى تقنيات وطنية وصناعات تنافسية تُحقِّق مكاسب للاقتصاد والأمن والقوة الوطنية؟

وفقًا لهيئة العامة للإحصاء، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في المملكة نحو 29.48 مليار ريال خلال عام 2024، ما يمثل زيادة بنسبة 30.4% مقارنة بعام 2023، بينما وصل عدد العاملين في هذا المجال إلى 56,593 عاملاً.

وفي مجال الملكية الفكرية، استقبلت الهيئة السعودية للملكية الفكرية حوالي 10,300 طلب لتسجيل براءة اختراع خلال عام 2025، أي بارتفاع يقرب من 28% عن العام السابق.

التحديات وسبل تحويل البحث إلى تطبيقات

هذه الأرقام تعكس تنامي الاستثمار في المعرفة والابتكار بما يتماشى مع توجهات رؤية 2030 نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية. ومع ذلك، لا يكفي زيادة الإنفاق وعدد الطلبات؛ بل يجب ضمان تحويل مخرجات البحث إلى تطبيقات عملية، وتطوير منتجات قابلة للتسويق، وتوطين التقنيات، وخلق فرص نوعية للمواطنين.

الابتكار لا يقتصر على الجامعات ومراكز البحث فقط؛ فقد تنشأ الفكرة لدى باحث أكاديمي، أو مخترع مستقل، أو مهندس يعمل في مصنع، أو فني في ورشة، أو موظف يبحث عن طريقة أفضل لأداء عمله.

لتتحقق الفكرة إلى واقع، يحتاج صاحبها إلى مسار واضح يبدأ بالتقييم العلمي والفني، ثم تطوير النموذج الأولي واختباره، وحماية الملكية الفكرية، وصولاً إلى التصنيع والتسويق. ويحتاج هذا المسار إلى تكامل بين الجامعات والمراكز البحثية والمخترعين الأفراد والشركات الصناعية والجهات الحكومية والجهات التمويلية.

الجامعات تزود المعرفة والخبرات والمختبرات، والمخترعون يوفِّرون الأفكار، والشركات تختبر قابلية التطبيق والإنتاج، بينما تسهم الجهات الحكومية في توفير البيئة التنظيمية والتمويلية المناسبة.

دور الأفراد والبيئة المؤسسية في تعزيز الابتكار

من الضروري تسهيل وصول المخترعين الأفراد إلى المختبرات ومرافق الاختبار والخبرات الهندسية، وتوفير برامج تمويل لمراحل تطوير الاختراعات، ووضع آليات واضحة لحماية حقوق المخترعين والمستثمرين. كما ينبغي تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث التطبيقي، وربط احتياجاتها الصناعية بالقدرات البحثية للجامعات.

من واقع تجربة عملية في أرامكو السعودية، أتذكر مبادرة نفذت عام 1998 في إحدى وحدات الإصلاح التابعة لقسم الظهران بإدارة خدمات الورش الصناعية. تمثلت الفكرة في إعداد مجلة من عشر صفحات، تتضمن كل صفحة صورة الموظف صاحب الابتكار مع شرح فكرته ومزايها.

كان الهدف إبراز جهود الموظفين وتعزيز شعورهم بالتقدير، وتحفيز زملائهم على تقديم أفكار جديدة. ولاقت المبادرة صدىً إيجابياً لدى مدير إدارة الورش آنذاك، الذي وجَّه بتعميمها على الأقسام الأخرى.

شجع ذلك موظفين كثيرين على اقتراح طرق جديدة للإصلاح وتحسين العمل، وعرضها على مهندسي الإدارة لدراسة إمكانية تطبيقها. ووفقاً لما witnessed، أسهمت الأفكار التي تم تطبيقها في تحقيق وفورات بلغت ملايين الريالات.

تؤكد هذه التجربة أن بناء ثقافة الابتكار يبدأ أحياناً بخطوة بسيطة: الاستماع إلى الموظف، وتقدير جهده، ومنح فكرته فرصة للتقييم والتطبيق. كما أن الاعتراف بجهد المبتكر يحفز الآخرين على المشاركة، ويجعل التحسين مسؤولية مشتركة.

هذا درس مهم لمؤسساتنا الوطنية؛ فالاستثمار في الإنسان لا يقتصر على التدريب والتعليم، بل يشمل اكتشاف المواهب العملية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى العاملين، وتهيئة بيئة تحفزهم على التطوير والإبداع.

ولا يقتصر هذا النهج على تحسين العمليات اليومية، بل يمكن أن يمتد إلى تطوير تقنيات جديدة ذات أثر اقتصادي وبيئي واستراتيجي.